تتسارع التطورات الميدانية والسياسية المحيطة بالملف اللبناني-الإسرائيلي لتضع البلاد أمام واحدة من أكثر المراحل حساسية منذ نهاية الحرب الأهلية، مرحلةٌ تتقاطع فيها الضغوط العسكرية المتصاعدة في الجنوب مع مسار تفاوضي دولي حازم تقوده الولايات المتحدة لإعادة صياغة الواقع الأمني. في قلب هذه المعادلة، يبرز “حزب الله” بوصفه العقدة الأساسية التي تعرقل أي انتقال فعلي نحو احتكار الدولة اللبنانية لقرار الحرب والسلم، وسط تزايد المؤشرات إلى اتساع الفجوة بين متطلبات المجتمع الدولي ومواقف الحزب المتمسكة بسلاحه ونفوذه.
لم يعد المشهد يحتمل التأويلات العاطفية أو الرمادية؛ فالواقعية السياسية الصارمة تفرض نفسها على الأرض بالتزامن مع المفاوضات المباشرة بين إسرائيل ولبنان برعاية أمريكية. مفاوضاتٌ تبحث في العمق عن صياغة ترتيبات أمنية تضمن التفكيك الكامل للبنية العسكرية للحزب، وبسط سيادة الدولة عبر جيشها الشرعي كضمانة وحيدة لمنع تكرار حروب الاستنزاف.
على طاولة الحوار
تكشف المعطيات الدبلوماسية الواردة من البيت الأبيض عن أجواء حاسمة وصارمة لا مكان فيها للحلول المؤقتة التي اتسمت بها التفاهمات السابقة كالقرار 1701، حيث تناولت الاجتماعات الأمنية المغلقة للوفد اللبناني مستقبل الترتيبات الأمنية جنوب لبنان وآليات منع إعادة بناء البنية العسكرية غير الشرعية. وتأتي هذه المباحثات، المدعومة بغطاء كامل من العهد الجديد للرئيس جوزيف عون وحكومة نواف سلام، تمهيداً لجولة سياسية مرتقبة الثلاثاء المقبل تبحث بصورة أعمق تعزيز دور الجيش اللبناني كقوة وحيدة مسؤولة عن حماية الحدود الجنوبية.
تسعى واشنطن وحلفاؤها الإقليميون إلى إنشاء آليات مراقبة دولية صارمة ومباشرة تخترق التفسيرات اللبنانية التقليدية للسيادة، من خلال منح قوات الطوارئ الدولية أو لجنة رقابة مشتركة جديدة صلاحيات واسعة للتحقق والتدخل الفوري من دون الحاجة لإذن مسبق من السلطات المحلية. ويمثل هذا الموقف الأمريكي نقطة تحول كبرى، إذ لم تعد الصيغ الفضفاضة مقبولة في حسابات الإدارة الحالية التي ترى في نزع سلاح الفصائل المدعومة من طهران مدخلاً إلزامياً لترتيب أمن الشرق الأوسط الجديد.
سقوط “الشقيف” والتحول العسكري
تترجم التطورات الميدانية في الجنوب اللبناني هذا الضغط الدبلوماسي بشكل عنيف، إذ يشكل وصول الجيش الإسرائيلي إلى قلعة “الشقيف” التاريخية المشرفة على النبطية ومنطقة الليطاني نقطة تحول عسكري بالغة الخطورة. هذا الاختراق البري السريع لا يمثل مجرّد تقدم جغرافي، بل هو سقوط لخطوط الدفاع التقليدية وتجريد للمنطقة من عمقها الاستراتيجي، نظراً للموقع الحاكم الذي تتمتع به القلعة والتي تمنح الطرف المسيطر عليها إشرافاً نارياً ورصداً بصرياً كاملاً على مساحات شاسعة من الجنوب اللبناني وصولاً إلى خطوط الإمداد الخلفية.
إن وقوف الآليات العسكرية الإسرائيلية فوق هذه التلة التاريخية يوجه رسالة عسكرية قاطعة تفيد بأن الملاذات الآمنة السابقة ومستودعات الصواريخ المحصّنة لم تعد قائمة، وأن قدرة الردع التي طالما اعتمد عليها “حزب الله” قد تهاوت أمام التفوق التكنولوجي والجوي والبري، ما يضع مجموعاته المسلحة في موقف دفاعي ضعيف ومحاصر يفقدها أوراق القوة التي كانت تستخدمها لفرض شروطها على الدولة والداخل اللبناني.
أبعد من الليطاني!
لم يتوقف الطموح العسكري الإسرائيلي عند حدود نهر الليطاني التي رسمتها الترتيبات السابقة، بل اندفعت رقعة العمليات لتصل مؤخراً إلى مشارف نهر الزهراني، وهو ما يعكس رغبة واضحة في إعادة ترسيم الجغرافيا الأمنية للجنوب بأكمله وحرمان الفصائل المسلحة من أي عمق تكتيكي للمناورة.
وجاءت أوامر الإخلاء الإسرائيلية الصارمة والإنذارات العاجلة التي طالبت سكان كافة البلدات والقرى والمخيمات المتواجدة جنوب نهر الزهراني، بما فيها مدينة صور والمناطق المحيطة بها وباقي قرى قضاء النبطية، بالانتقال الفوري إلى شمال نهر الزهراني، لتؤكد أن رقعة الاستهداف الجوي والبري آخذة في الاتساع لشل المراكز اللوجستية المحصنة.
هذا التطور الميداني الخطير المتزامن مع غارات مكثّفة طالت بلدة دير الزهراني وحبوش وعين قانا وغيرها، يضع البيئة الحاضنة للحزب والعمق الجغرافي، الذي كان يعتبره آمناً، تحت نار مباشرة، ما يفرض ضغطاً إنسانياً وعسكرياً غير مسبوق يهدف بالدرجة الأولى إلى تجريد الحزب من أي قدرة على المناورة الميدانية وإضعاف موقفه قبل صياغة التوقيع النهائي في واشنطن.
تجلّت صرامة هذه الضغوط الدولية في المباحثات العسكرية الماراثونية التي انتهت السبت الماضي بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي، والتي استمرت عشر ساعات متواصلة برعاية أمريكية مباشرة لصياغة آليات ميدانية حاسمة. ويعكس هذا النقاش التقني المطوّل، الذي جرى بعيداً عن الأضواء، سعياً دولياً لتفكيك البنية العسكرية غير الشرعية جنوب نهر الزهراني، وتحديد خطوط انسحاب القوات الإسرائيلية من المواقع الحاكمة كقلعة “الشقيف”.
ولم تعد هذه اللقاءات تبحث عن تهدئة مؤقتة، بل ركزت تحليلياً على وضع جداول زمنية ملزمة لانتشار الجيش اللبناني كقوة وحيدة، وصياغة صلاحيات تنفيذية واضحة للجنة الرقابة الدولية الجديدة، الأمر الذي يضع الميدان أمام واقع استراتيجي جديد يسبق الجولة السياسية المرتقبة الثلاثاء المقبل في واشنطن.
انسداد في عنق الزجاجة التفاوضي
لم تصل هذه المباحثات العسكرية المكثفة إلى طريق مسدود بالمعنى الكامل، بل دخلت مرحلة “عنق الزجاجة” نتيجة الاصطدام المباشر بين الشروط الأمنية الصارمة ومفهوم السيادة الوطنية؛ إذ تمثلت عقدة المنشار في الإصرار الإسرائيلي على التفكيك الكامل والفوري للبنية العسكرية لـ”حزب الله”، مع المطالبة بمنح تل أبيب حرية الحركة العسكرية للتدخل عند حدوث أي خرق، وهو ما يواجه الوفد اللبناني برفض قاطع لمنع تشريع أي خرق للسيادة الشاملة.
تتضاعف هذه العرقلة التقنية عند بند الرقابة الدولية، حيث تدفع واشنطن باتجاه منح لجنة الإشراف الجديدة صلاحيات المداهمة والتفتيش الفوري للمواقع دون مراجعة السلطات المحلية، في حين تتمسك بيروت بحصر هذه الصلاحيات بالجيش اللبناني كمرجعية تنفيذية وحيدة.
ويعكس هذا الانسداد محاولة الحزب وحلفائه مقاومة مفاعيل السقوط الميداني في “الشقيف”، ومنع ترجمته كصك استسلام سياسي على الطاولة، ما يجعل المفاوضات تتأرجح في ساعاتها الأخيرة بين ولادة ترتيبات أمنية حازمة أو الانفجار الشامل.
التداعيات السياسية لتقدم الأرض
تنعكس هذه السيطرة العسكرية والإنذارات المتلاحقة فوراً على موازين القوى السياسية، حيث تفرغ التطورات الميدانية خطابات الصمود والمقاومة من محتواها العملي أمام رأي عام لبناني يرى مدنه وقراه تدمر تحت وطأة مغامرات عسكرية غير محسوبة العواقب. وتبرز في هذا السياق محاولات “حزب الله” وحلفائه لتصعيد الموقف السياسي الداخلي وتحريك الشارع للضغط على السلطة التنفيذية، في محاولة واضحة لرفع كلفة أي تنازلات قد تُقدم خلال المفاوضات الجارية وإظهار أن أي اتفاق لا يحظى بموافقته سيبقى معرضاً للتعطيل.
تضعف الترددات السياسية لسقوط موقع “الشقيف” وتهديد منطقة الزهراني بشكل مباشر الموقف التفاوضي للأطراف الحليفة لإيران، وتجعل التمسك بالشروط القديمة نوعاً من الانفصال عن الواقع، في وقت تستثمر فيه الحكومة اللبنانية الشرعية هذا التراجع الميداني للمسلحين لتعزيز طرحها المتمثل في ضرورة حصر السلاح بيد الجيش اللبناني وحده كسبيل وحيد لإنقاذ ما تبقى من كيان الدولة.
تمثّل محاولات الضغط على حكومة نواف سلام، أو شلّ عملها، خطراً يهدد المصالح اللبنانية العليا، كونها تنقل الصراع من مواجهة التحديات الخارجية إلى نزاع داخلي يستهلك قدرة المؤسسات الرسمية على إدارة الأزمة وحماية القرار السيادي اللبناني.














