يتميّز العراق بتنوّعه الإثني والقومي والديني الكبير؛ فإلى جانب المكوّنات الثلاث الرئيسة التي تتقاسم مفاصل السلطة ومقدّرات الحكم منذ العام 2003 إثر سقوط النظام البعثي — وهم العرب الشيعة والعرب السنة والكُرد — يزخر البلد بطيف واسع من الجماعات الدينية والقومية الأخرى، التي وإن كانت أقل عدداً، إلا أنها عميقة الجذور وذات حضور حضاري وتاريخي متجذّر.
من أبرز هذه الجماعات المسيحيون بمذاهبهم وتنوّعاتهم القومية من آشوريين وسريان وكلدان وأرمن، إضافة إلى الأيزيديين والصابئة المندائيين والشبك والفيليين والبهائيين والكاكائيين.
الحفاظ على الموزاييك العراقي
يقول طارق جوهر، المستشار في برلمان كردستان والخبير في الشؤون الانتخابية، في حديثه إلى “غلوبال ووتش عربية”، إن المكوّنات الدينية الصغيرة في العراق تواجه تحديات بنيوية عميقة، موضحاً أن “كوتا هذه المكونات لا تفي بالغرض في ضمان تمثيل عادل ولائق لها، وبما يعكس مكانتها التاريخية والحضارية في بلاد الرافدين”، خصوصاً في ظل تراجع أعدادها المتواصل نتيجة الهجرة، ولا سيما بين المسيحيين والأيزيديين.
ويضيف إن هذه المكوّنات “تفتقر إلى نخب سياسية منظّمة وذات خبرة انتخابية حقيقية، ما يجعل حضورها السياسي أقرب إلى الطابع الرمزي منه إلى المشاركة الفاعلة والمؤثرة”، مشيراً في الوقت نفسه إلى أن “المسؤولية لا تقع عليها وحدها، بل تتحملها القوى السياسية الكبرى التي صاغت القوانين الانتخابية وقواعد التمثيل البرلماني بما يخدم مصالحها الخاصة”.
يختم جوهر بالقول إن الحفاظ على الموزاييك العراقي يشكل “حاجة وجودية وليس مجرد ترف فكري”، لأن العراق، كما يوضح، “كان عبر تاريخه الطويل موطناً للحضارات والديانات المتعددة، وبالتالي فإن ضمان مشاركة هذه المكوّنات الصغيرة وتمكينها من الإسهام في الحياة الوطنية والسياسية، هو الاختبار الحقيقي لمدى نضج النظام الديمقراطي وقدرته على الاستمرار”.
المسيحيون.. موجات متتالية من الهجرة
يُقدَّر عدد المسيحيين حالياً داخل العراق بنحو ربع مليون نسمة، بعدما كان يتجاوز المليون ونصف المليون قبل موجات الهجرة المتتالية، خصوصاً بعد العام 2003. وتفاقمت هذه الهجرة بشكل أكبر عقب اجتياح تنظيم داعش الإرهابي لمناطقهم، لا سيما في محافظة نينوى خلال العام 2014، ما دفع مئات الآلاف منهم إلى النزوح نحو أوروبا والأمريكتين وأستراليا.
يتركّز معظم المسيحيين اليوم في العاصمة بغداد ومحافظة نينوى، ولا سيما في منطقة سهل نينوى، إضافة إلى وجود أعداد كبيرة منهم في إقليم كردستان، خصوصاً في محافظتي دهوك وأربيل بمنطقة عنكاوا، بينما تتوزع مجاميع صغيرة في محافظات البصرة وكركوك والسليمانية.
الأيزيديون.. جراح الإبادة المستمرة
يُقدَّر عدد الأيزيديين في العراق بنحو نصف مليون نسمة، يتركّز معظمهم في قضاء سنجار بمحافظة نينوى، إلى جانب وجود تجمعات لهم في محافظة دهوك، ولا سيما في منطقتي باعدرة وشيخان. كما يقيم مئات الآلاف منهم في المهجر، خصوصاً في أوروبا، وألمانيا على وجه التحديد.
تعرّض الأيزيديون لإبادة جماعية على يد تنظيم داعش العام 2014، حيث قُتل وخُطف الآلاف منهم، لا سيما النساء. وعلى الرغم من تحرير مناطقهم منذ العام 2017، ما زال عدد كبير منهم يعيش في مخيمات النزوح حتى اليوم.
الصابئة المندائيون
يبلغ عددهم حالياً بضعة آلاف فقط، بعدما كان يفوق 70 ألفاً قبل العام 2003. يتركّز وجودهم في بغداد ومحافظتي ميسان (العمارة) والبصرة، في حين غادر معظمهم إلى دول غربية خلال العقود الأخيرة.
الكاكائيون
يصل عددهم إلى نحو 200 ألف نسمة، ويتوزعون في محافظات كركوك وخانقين وديالى وحلبجة وأربيل والموصل.
الشبك
يُقدر عددهم بنحو 300 ألف نسمة، ويتمركزون في منطقة سهل نينوى شرق مدينة الموصل، مركز محافظة نينوى.
البهائيون
لا يتجاوز عددهم 5 آلاف نسمة، ويقيمون في بغداد وكركوك وأربيل والبصرة.
بذلك يبقى العراق من أكثر دول المنطقة تنوعاً دينياً وثقافياً، إذ يحتضن، إلى جانب الغالبية المسلمة من السنة والشيعة، ما يقرب من عشر أقليات دينية ضاربة الجذور في تاريخه الممتد لآلاف السنين.
الأقليات الدينية
شهد العراق خلال العقود الماضية سلسلة من الحروب المتعاقبة والنزاعات الطائفية والأهلية، إلى جانب الاضطهاد والتمييز بل وحتى الإبادات الجماعية، ما أدى إلى تقلّص عدد وحضور الجماعات الدينية الصغيرة بشكل كبير. إذ لم تعد نسبتها اليوم تتجاوز 10% من إجمالي سكان العراق، بما في ذلك المهاجرون منهم.
مع انطلاق الانتخابات البرلمانية العامة، تعود إلى الواجهة مجدداً قضية تهميش المكوّنات الدينية الصغيرة، بعدما تحوّل حضورها السياسي إلى ما يشبه “الديكور” الرمزي، لا يعكس عمقها التاريخي والحضاري في بلاد ما بين النهرين.
على الرغم من تخصيص مقاعد كوتا لعدد من هذه الأقليات، إلا أن المعضلة – بحسب مراقبين – تكمن في خضوع هذه المقاعد لتجاذبات القوى السياسية الكبرى المهيمنة، حيث يرى كثيرون أن من يشغلون مقاعد الكوتا لا يمثلون فعلياً مكوناتهم، بل يتم اختيارهم في سياق اقتراعي معقد تسيطر عليه مراكز القوى والنفوذ والصراعات الحزبية.
في المقابل، يرى آخرون أن هذه المكوّنات جزء لا يتجزأ من المشهد السياسي العراقي، وبالتالي فهي محكومة بالانخراط في قواعد اللعبة الانتخابية بكل ما تحمله من توازنات ومصالح واصطفافات داخلية وخارجية.
بحسب القانون الانتخابي الحالي، تم تخصيص تسعة مقاعد للأقليات، بواقع خمسة للمسيحيين، ومقعد واحد لكل من الأيزيديين، الشبك، الصابئة المندائيين، والكُرد الفيليين. أما في برلمان إقليم كردستان، فقد تم تقليص كوتا المكوّنات من 11 مقعداً إلى خمسة فقط في العام 2024، عقب قرار المحكمة الاتحادية العليا الذي جاء على وقع اتهامات متبادلة بين الأحزاب الكبرى بتوظيف هذه المقاعد لصالح أطراف بعينها.
من التمثيل الرمزي إلى التأثير الفعلي
على الرغم من هذه التحديات، يكتسب دور الأقليات الدينية في انتخابات العراق 2025 أهمية استثنائية، ليس فقط على صعيد تمكينها من التمثيل السياسي، بل أيضاً لترسيخ قيم المواطنة والتعددية والمشاركة في الحياة العامة.
ومع توفر آليات قانونية تكفل لها حصصاً محددة وفرصاً للمشاركة، إلا أن العقبات لا تزال كبيرة، بدءاً من ضعف التنظيم الداخلي، مروراً بسيطرة الأحزاب الكبرى، وصولاً إلى غياب الإحصاءات الدقيقة وانعدام الضمانات المستدامة لقوانين التمثيل والمشاركة.
يرى خبراء أن تجاوز هذه العقبات يستلزم من المكوّنات الدينية الصغيرة تبنّي مقاربات بعيدة الأمد، تقوم على بناء تحالفات سياسية مع الكتل الكبرى، وتطوير هياكلها التنظيمية، وتوحيد خطابها الوطني. فحينها فقط يمكن الانتقال من التمثيل الرمزي إلى تمثيل حقيقي فاعل ومؤثر في المشهد السياسي العراقي.
بذلك، تشكل الانتخابات العراقية للعام 2025 اختباراً حقيقياً لهذه المكوّنات، ليس فقط من حيث عدد المقاعد التي ستفوز بها، بل بمدى قدرتها على تحويل هذا الفوز الانتخابي إلى حضور سياسي واجتماعي ملموس يعيد لها مكانتها ودورها في بناء العراق المتعدد والمواطِن.















