في بلاد العجائب، لكل شيء وظيفة مغايرة لما هو دارج أو منطقي. المدرسة لتخريج البطالين، والمستشفى لتعليم الصبر، والإدارة لتدريب المواطن على الركض بين الشبابيك. أما رئيس البلدية، فقد كانت وظيفته الأصلية إقناع الناس بحبّ الوطن والبقاء فيه… فإذا به يسبقهم إلى قارب الهجرة!
في وهران، عاصمة الغرب الجزائري، لم يحتج رئيس البلدية إلى خطاب طويل عن أزمة الثقة، ولم يكتب تقريرًا عن انسداد الآفاق، ولم يعقد ندوة حول هجرة الشباب. لكنه اختزل كل ذلك في حركة واحدة: استقال من كل الخطب، وركب البحر!
هكذا، تحوّل “المير” (رئيس البلدية) إلى “حَرّاق” (مهاجر سرّي).
لعل هذه هي المرة الأولى في التاريخ التي يصبح فيها المسؤول السياسي أوّل من يصوّت بعدم الثقة في البلد الذي يديره!
كان المواطنون يقصدونه طالبين قطعة أرض أو رخصة بناء أو شهادة إقامة، بينما كان هو، في قرارة نفسه، يبحث عن شهادة نجاة… ويحلم بختم خروج نهائي من أرض الوطن.
يا للمفارقة!
طوال سنوات، كانت السلطات تطلق حملات توعية ضد “قوارب الموت”، وتدعو الشباب إلى الصبر والإيمان بالمستقبل. لكن رئيس البلدية توصّل إلى خلاصة مختلفة، فيما يبدو: إذا كان ربّان السفينة يقفز منها، فما نفع أن يبقى الركاب؟
لا شك أن جلسة المجلس البلدي الأخيرة كانت كافكاوية بامتياز. ربما سأل أحد الأعضاء:
– سيدي الرئيس، ما هو مشروع التنمية القادم؟
فأجاب “المير” في سره:
– ميناء أليكانتي!
وربما كان آخر قرار إداري وقّعه رئيس البلدية الموافقة (لنفسه) على تغيير مقر الإقامة… إلى الضفة الأخرى!
الطريف في الأمر أن “الحرقة” (الهجرة السرّية عبر قوارب الموت) كانت دائمًا تُقدَّم على أنها هروب من الفقر أو البطالة أو اليأس. أما اليوم، فقد دخلت مرحلة جديدة: هروب المسؤول نفسه من عبء الدولة المنوط به إدارتها!
لم يعد المواطن وحده من يفرّ من الواقع، بل صار الواقع يفرّ من نفسه. والسؤال الذي يبقى عالقا ليس: كيف وصل “المير” إلى إسبانيا؟ بل: كيف وصل شخص في موقع مسؤولية إلى قناعة راسخة بأن البحر، بكل أمواجه وأسماكه المفترسة واحتمالات غرقه، أكثر أمانًا من كرسي السلطة الذي يجلس عليه؟
لا شك أن قارب الموت بدا، في نظره، أقل خطورة من مركب السياسة! ولعله اكتشف – ولو متأخرًا – أن النجاة ليست دوما في البقاء على اليابسة.
وإذا استمر الحال على هذا المنوال، فقد يأتي يوم تُلقَّب فيه الجرائر ببلد المليون حرّاق، بعد أن كانت بلد المليون شهيد! لتصبح الهجرة السرية مشروعًا تنمويًا رسميًا. وقد يتطلب ذلك أن يُضاف إلى القانون الأساسي للمجالس البلدية منصب جديد: “نائب الرئيس المكلف بشؤون الحراقة”.
لكن ما العمل إذا حذا النائب حذو رئيسه، وركب رأسه (والبحر)!؟






