متون التكوين

الحقيقة في أعطاف الضيف

بقلم إبراهيم الكوني
بقلم إبراهيم الكوني

يأبَى عقل فلسفي جدلي في مقام د.عبد الله الفرياضي، إلّا أن يبرهن على صواب تعويذتي القائلة: القيمة في الجواب، رهينة الحكمة في السؤال، لأن أسئلة الرجل جريئة، تستثير شهيّة كل مريد حقيقة، وها هو يتوغّل في أدغال لغتنا المنسيّة، ليكشف لنا مدى عمق التجربة الوجودية، في عراكها مع تحدّيات المفهوم، عندما يستميت، في منزلة التأسيس، لاختطاط سيرته الذاتية.

وذلك تحقيقاً لهويّة في طورِ المهد، وتوقاً لتدشين وَسم الختام في معنى الوطن، مترجَماً في مفردة تبدو ملتبسة في حرف «تاميورت» أوّلاً، فلا تكتفي، ولكنها تأبَى إلّا أن تدلي بشهادتها في صيغة «تمازيغت»، لتتواصل، بروح ملحميّة، مشفوعة بمعزوفة موسيقية، لتستوي في صرحٍ مجيدٍ هو: أمجار، أو أمغار، أي MGR، المعتمد كأحد أسماء مصر في علم المصريات.

فإسم «تامورت» علامة تليق بمناخٍ حميمٍ كالوطن، لأنها، في الرطانة الأولى، تعني كل شيءٍ حسن، أي المستَحسَن، في «تَميورت»، أي ما استعار تالياً مدلول: الفردوس، عندما تحمّم هذا الطّيف العابر بسلسبيل النّبع الدينيّ. أمّا «مزغ»، أو «مزر» كإبدالٍ شرعي بين الزاي والغين والصاد، فتعني المستوطن، أو المواطن، من فعل «يزَّغ» يسكن، حتّى إذا عالجناها في معنى: مزر، التي هي «مصر»، فإنّها تستعير معنى «الأوّلي»، «الأزلي»، أو «الرائد»، «السابق» في مباراة وجودٍ، نحن فيه أطيافٌ من المهد إلى اللحد. ولهذا فـ«الأمازيغ»، هي ذات الهوية في «الأمازير»، لأن مصر لم تكن يوماً سوى الإمتداد الجغرافي والحضاري، لمعجزة الصحراء الكبرى، التي كانت مسقط رأس التكوين، كما برهنّا في دراساتنا مراراً، تكفي شهادة عرّاب تاريخ ما قبل التاريخ، هيرودوت، القائلة أن كل ثروات اليونان الروحية والعملية إنما هي استعارةٌ من ليبيا، ليبيا في بُعدها الشامل لشمال إفريقيا، بالإضافة إلى ظاهرة استثنائية هي الصحراء الكبرى، واللغة تهرع لنجدتنا في لسان أهل المكان، لتبرهن على هذه الحقيقة المترجَمة في حرف المفاهيم نفسها، التي تحرّض على أسبقيّة الطيف الأمازيغي (مزغ)، في هويته مع شقيقه الأمازيري (مزر)، أي المصري، في الحضور على يبيس المهد، الصحراء الكبرى، في زمنٍ تشهد فيه القارّة شيخوخة هذا الوطن التي حوّلته صحراء.

أمّا صيغة «مغر»، أو «مجر» MGR، المعتمدة كفتوى إسميّة في حقّ مصر، فهي لقية أمازيغية في الأساس، وتتكتّم على مفهومٍ نفيسٍ ذي معدنٍ أخلاقيّ، فلسفي، إستسراري، يعني، في الحرف: الضيف، ولكنه لا يلبث أن يتسامَى، ويتنامَى، في معراج سفره إلى أعلى، ليستوي في برزخ إكبارٍ جديرٍ بهذا الطيف العابر، المستنزل من المجهول ليحلّ في الأسافل، فحقّ له أن يُستقبَل بمراسم الضيافة، كما يليق بشرف أي طيفٍ تبنَّى في نفسه هوية الضيف، وَعْياً منه بأن كل عابرٍ طَيف، وكل طيفٍ، في هذا الوجود، هو مجرد ضيف، وإلّا لما اصطفته الأمم، منذ الأزل، بمراسم الإكبار، المترجَمة في طقوس «القِرَى»، علّها تهوّن عليه وزر السفر، لا في حرفه الحرفي، ولكن في بُعده الكينوني، وكلّما تسابق الأوائل في مراسم الإكرام، كلّما عبّروا أكثر عن وعيهم بحقيقتهم هم أيضاً، بأنهم ليسوا في هذا الوجود الموحش، سوى أضياف، وسوف يعبرون إلى المجهول أيضاً إن لم يكن عاجلاً، فآجلاً! لأن الحقيقة تسطع في أعطاف الضيف، لأنه كله معجونٌ من طينة حرية!

من حقّنا أن نتساءل عن هذه الحقيقة، التي تسكن هذا الضيف؛ فالقدّيس بولس استنزل في حقّه هوية الملاك عندما تغنَّى: «استضيفوا الغرباء، لأن أناساً كثيرين استضافوا في الغرباءِ ملائكةً وهم لا يعلمون». أي أن هذا الضيف ما هو إلّا ذلك الطيف، الذي يُقبِل علينا متنكّراً في جِرم عابر السبيل، لكي يُخفي عنّا حقيقة الملاك، المبعوث رسولاً من ربّ الملائكة، لكي يلقّنها درساً في الجُود، في القِرَى، في الكرم، ليتنافس أهل التقوى، منذ الأزل، في الإحتفاء به، لأنه نزيل الوجود، ليكون ضيفاً على ربّ أرباب هذا الوجود، ولولا هذه النزعة لما جاد على واقعنا التاريخ بأسماء أسطورية حاجج بها قدماء العرب أمم العالم، ضربت الأمثلة في إكبار «أمَجَار» (MGR)، كما تترجمه السواكن، ليغدو غنيمة تنازَعها كعب بن مامة، وحاتم الطائي، وهرم بن سنان، ليلقّنوا الأجيال درس القِرَى المقدَّس، تحقيقاً لحلمِ أحلامٍ هو: الخلود!