بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

تحليل سياسي

بعد ثلاث سنوات من 7 أكتوبر.. هجوم “حماس” الذي أعاد تشكيل الردع وأدخل المنطقة في معادلة أمنية جديدة

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مرّت ثلاث سنوات على 7 أكتوبر، لكن الحدث الذي بدأ بهجوم مفاجئ على جنوب إسرائيل لم ينتهِ بانتهاء ذلك اليوم. قتل الهجوم نحو 1200 شخص واحتُجز فيه 251 رهينة، وفق الأرقام الإسرائيلية، قبل أن يتحول إلى نقطة فاصلة أعادت تعريف الأمن الإسرائيلي ووسّعت المواجهة إلى ساحات إقليمية متعددة وأعادت القضية الفلسطينية إلى مركز الحسابات الدولية. وفي المقابل، لم ينتج الرد العسكري الإسرائيلي حتى الآن معادلة مستقرة تنهي التهديد أو تحسم شكل النظام الذي سيحكم غزة.

المفارقة الأساسية أن الهجوم أصبح أكبر من أهداف منفذيه، وأكبر أيضاً من الأهداف التي وضعتها إسرائيل للحرب التي تلته. تداعياته لم تقتصر على عملية عسكرية ذات أثر أمني وسياسي هائل، بل تحولت إلى إعادة تشكيل أوسع للبيئة الاستراتيجية في الشرق الأوسط. لذلك لا يكفي لقياس حصيلته عدد أيام القتال أو حجم الخسائر؛ فالمعيار الأهم هو معرفة ما الذي انهار من المسلمات التي حكمت الصراع قبل ذلك اليوم، وما الذي لم يظهر بعد ليحل محلها.

انهيار معادلة الاحتواء

قبل الهجوم، قامت إحدى الفرضيات المركزية في التعامل مع غزة على إمكانية احتواء “حماس” من دون إنهاء وجودها كقوة مسلحة وحاكمة، عبر إدارة مستوى التهديد والاعتماد على التفوق الاستخباري والعسكري واستخدام الردع المتكرر لمنع الانزلاق إلى حرب شاملة.

جاءت العملية لتكشف هشاشة هذه المعادلة. لم تكن المشكلة في اختراق الحدود فقط، بل في فشل منظومة كاملة من الافتراضات الأمنية في منع تهديد معروف من التحول إلى عملية واسعة داخل إسرائيل. ومن هنا انتقل النقاش من سؤال: من ماذا فعلت “حماس”؟ إلى سؤال أعمق: لماذا اعتُبر السيناريو الذي وقع مستبعداً إلى هذا الحد؟

المشكلة تتجاوز جهاز استخبارات أو وحدة عسكرية منفردة، لتصل إلى نموذج تفكير افترض أن التفوق التكنولوجي والسيطرة على المجال المحيط بغزة يمكن أن يضمنا استقراراً طويل الأمد. ولهذا بقي الإخفاق حاضراً في النقاش الإسرائيلي، بالتوازي مع الجدل حول المسؤولية السياسية والأمنية، فيما تقترب الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر.

الردع تحت الاختبار

أعاد 7 أكتوبر تعريف مشكلة الردع في المنطقة. إسرائيل امتلكت تفوقاً عسكرياً ساحقاً، لكنها واجهت معضلة مختلفة: كيف تستخدم هذا التفوق لاستعادة الردع من دون أن يتحول الاستخدام الواسع للقوة إلى عامل يولّد دوافع جديدة للمواجهة؟

القوة العسكرية تستطيع تدمير البنية المادية، وتفكيك الوحدات، والسيطرة على الأرض، ورفع كلفة الهجوم على الخصم. لكنها لا تنتج تلقائياً نظاماً سياسياً مستقراً. وهنا تكمن الفجوة التي حاصرت الحرب: القدرة على الإخضاع ليست هي القدرة على إنتاج الاستقرار.

غيّرت إسرائيل البيئة العسكرية في غزة بدرجة هائلة، وأضعفت قدرات حماس وقيادتها، لكن تراجع القدرة القتالية لا يساوي تلقائياً إنهاء المشكلة التي أنتجت الصراع. وهذا ما جعل السؤال ينتقل من قدرة إسرائيل على ضرب خصمها إلى قدرتها على تحويل التفوق العسكري إلى ترتيب سياسي قابل للاستمرار.

غزة أمام معادلة مؤجلة

دخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في أكتوبر/تشرين الأول 2025، وعاد جميع الرهائن الأحياء واستُعيدت جثامين المتوفين منهم الذين احتُجزوا في غزة، لكن الهدنة لم تتحول إلى تسوية مكتملة. فما زالت القوات الإسرائيلية تسيطر على أجزاء واسعة من القطاع، واستمرت أعمال العنف، فيما بقيت مسألة نزع سلاح حماس وترتيبات الانسحاب والحكم موضع خلاف. 

أعلنت حماس في يوليو/تموز الماضي حلّ إدارتها في غزة والاستعداد لنقل السلطة إلى لجنة تكنوقراطية مدعومة دولياً. وفي نهاية الشهر نفسه أُعلن عن اتفاق إطار يتعلق بنزع سلاح “حماس” والفصائل، لكن آلية التنفيذ ظلت مرتبطة بخلاف جوهري حول التسلسل: إسرائيل تريد نزع السلاح قبل الانسحاب الكامل، بينما تربط “حماس” خطواتها بانسحاب إسرائيلي وترتيبات إعادة الإعمار.

تكمن عقدة “اليوم التالي” في أن إعادة بناء غزة ليست مشروعاً عمرانياً منفصلاً عن الأمن. التقييم المشترك للأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي يقدّر احتياجات التعافي والإعمار بنحو 71.4 مليار دولار خلال عقد، منها 26.3 ملياراً خلال الأشهر الثمانية عشر الأولى. كما تضررت أو دُمرت أكثر من 371 ألف وحدة سكنية، فيما تعرض اقتصاد القطاع لانكماش حاد.

وبذلك يصبح الإعمار جزءاً من معادلة السلطة والسلاح، لا مرحلة لاحقة للحرب. الجهة التي تموّل إعادة البناء تحتاج إلى جهة قادرة على إدارة الأموال، والجهة التي تدير القطاع تحتاج إلى شرعية وقدرة أمنية، بينما يبقى السؤال الأساسي: من يحتكر القوة في غزة؟

من غزة إلى الإقليم

لم يبقَ تأثير 7 أكتوبر داخل القطاع. فقد تحولت الحرب إلى اختبار لنظام أمني إقليمي يقوم على تعدد الجبهات والفاعلين المسلحين خارج الدولة. دخل “حزب الله” المواجهة، وانطلقت هجمات من اليمن، وامتدت تداعيات الصراع إلى العراق وسوريا وإيران ولبنان.

ثم انتقلت المعادلة إلى مستوى آخر في 2026 مع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، التي أعادت فتح جبهات مرتبطة بشبكة التحالفات الإقليمية. وبعد بدء الحرب في فبراير/شباط، دخل “حزب الله” المواجهة في مارس/آذار، لتتحول الحدود اللبنانية مجدداً إلى ساحة مرتبطة بالمواجهة الأوسع.

لكن هذه الساحات لم تعمل كجبهة واحدة متماسكة. لكل طرف حساباته، ولكل ساحة ميزانها المحلي، غير أن الترابط بينها غيّر طبيعة المخاطر. لم يعد التهديد يُقاس بقدرة فصيل واحد على مهاجمة إسرائيل، بل بقدرة خصوم متعددين على فتح مسارات ضغط متزامنة.

وهنا انتقل مركز الثقل من سؤال: من يسيطر على غزة؟ إلى سؤال أكثر اتساعاً: من يستطيع فرض كلفة على خصمه عبر أكثر من ساحة، ومن يستطيع منع انتقال المواجهة من جبهة إلى أخرى؟

حصيلة تتجاوز النصر والهزيمة

بعد ثلاث سنوات، تبدو محاولة اختزال المشهد في انتصار طرف أو هزيمته أقل قدرة على تفسير ما حدث. “حماس” تعرضت لضربات عسكرية هائلة وفقدت جزءاً كبيراً من قدراتها وقياداتها. وإسرائيل استخدمت تفوقها العسكري إلى حد غير مسبوق، لكنها وجدت نفسها أمام بيئة أمنية وإقليمية أكثر تعقيداً، ولم تحسم بصورة نهائية شكل النظام الذي سيحل محل الواقع السابق في غزة. أما المدنيون الفلسطينيون فتكبدوا الكلفة الإنسانية الأوسع للحرب، مع تجاوز عدد القتلى 74 ألفاً وفق السلطات الصحية في القطاع.

الأهم أن الافتراضات الثلاثة التي حكمت الصراع تعرضت للاهتزاز: إمكانية احتواء حماس من دون تسوية سياسية أعمق، وإمكان تحويل العمل المسلح وحده إلى مسار سياسي قابل للاستمرار، وإمكان إبقاء الصراع ضمن حدود جغرافية يمكن التحكم بها.

السؤال الذي بقي

لم تعد القضية هي ما إذا كان الهجوم قد غيّر الشرق الأوسط؛ فهذا التحول أصبح واقعاً. السؤال الأصعب هو ما إذا كانت المنطقة قادرة على تحويل هذا الواقع إلى ترتيب أمني وسياسي جديد، أم ستظل تدور حول تداعياته من دون الوصول إلى صيغة مستقرة.

الهدنة خفّضت مستوى الحرب، لكنها لم تحسم نزع السلاح أو الانسحاب أو الحكم أو الإعمار. وفي لبنان، تراجع العنف خلال فترات الهدنة، لكن الضغط العسكري بقي قائماً. وعلى المستوى الإسرائيلي، يستمر الجدل حول الإخفاق والمسؤولية السياسية والأمنية، فيما تقترب الانتخابات بوصفها محطة يمكن أن تعيد فتح النقاش حول اتجاه السياسة الأمنية.

لا تمثل الذكرى الثالثة نهاية مرحلة بقدر ما تمثل لحظة قياس. فقد أثبت الهجوم أن التفوق العسكري لا يلغي مخاطر الفشل الاستخباري والسياسي، وأثبتت الحرب التي تلته أن تدمير القدرات العسكرية لا يكفي وحده لصناعة الاستقرار، فيما أظهرت السنوات الثلاث أن ترك الصراع بلا أفق سياسي لا يجمّده بالضرورة، بل يعيد إنتاجه بأشكال مختلفة.

المرحلة المقبلة لن تتحدد بقدرة أي طرف على استعادة ما كان يملكه قبل الحرب، بل بقدرته على التعامل مع واقع تغيّر جذرياً. إن الاختبار الحقيقي يبدأ من الفراغ الذي تركته المعادلة السابقة: من يفرض الأمن، ومن يمارس السلطة، ومن يحتكر السلاح، ومن يملك القدرة على تحويل وقف القتال إلى نظام قابل للاستمرار؟ تلك هي الأسئلة التي ستحدد ما إذا كان الشرق الأوسط يتجه نحو ترتيب جديد، أم نحو دورة أخرى من الصراع.