في الشهر الماضي، حدثت ضجة عابرة تسببت في إضراب العاملين في برج إيفل، تتعلق بافتتاح أول معبد هندوسي في باريس. فقد كان من ضمن طقوس الافتتاح أن يحمل رهبان هندوس عدداً من التماثيل التي تخص عقيدتهم ويطوفون بها في أرجاء العاصمة الفرنسية، وأن يرتقوا البرج الشهير وينثروا براعم الورد من طوابقه. لكنهم اعترضوا على وجود نساء بين العاملات في تسيير البرج، لأن عقيدتهم تمنع اختلاط أصحاب المراتب الدينية بالنساء.
سُوّيت الحادثة التي مرّت مثل زوبعة في فنجان، واعتذرت إدارة البرج عن سوء التفاهم، ومضى كل إلى حاله وانشغالاته، إلا أنا.. فقد دفعني شغلي إلى ملاحقة تفصيل يبدو صغيراً، يخص تشييد هذا الصرح المهيب في ضواحي باريس، لكنه في عينيّ تفصيل كبير يستحق التوقف عنده. وهو أن مهندسة المشروع الذي رأى النور في باريس سيدةٌ عراقية!
ولنبدأ من البداية، وبالأحرى من حفل الافتتاح. فقد حضر المناسبة 10 آلاف زائر جاءوا من 41 بلداً. وإلى جانب الضيوف الهندوس الرسميين الذين لبّوا الدعوة من القارة الهندية شاركت حشود من أبناء العقيدة الذين وفدوا من كندا وأستراليا ودول أوروبا وغيرها. وتمت دعوة مديرة المشروع نهلة ججو لوغران للصعود على المسرح، والحديث عن دورها في هذه التجربة وتأثيرها على مسيرتها في الهندسة المعمارية.
تعمل نهلة مع شركة “أرتي شاربنتييه” التي أشرفت على تصميم المعبد. وهي قد تخرجت في كلية الهندسة بجامعة بغداد وتركت آثارها في تصميم عدد من المنازل والمباني والجداريات الفنية، ثم انتقلت للإقامة والعمل في فرنسا بسبب الحروب والأوضاع القلقة التي مرّ بها بلدها، وكانت سبباً في هجرة ملايين العراقيين.
خلال فترة العمل في مشروع معبد باريس، كان على المهندسة أن تجمع معلومات وافية عن العقيدة الهندوسية وطقوسها ورموزها وأماكن معابدها في العالم، ومجموعها 1300 معبد، آخرها ذاك الذي استقبلته العاصمة الإماراتية أبوظبي. وكان معبد لندن هو الأكبر في أوروبا قبل تشييد معبد باريس، أما الأكبر خارج القارة الهندية فهو معبد نيوجرسي في الولايات المتحدة.
السنة الماضية، سافرت نهلة ججو إلى الهند لمدة أسبوعين مع الجهة المنظمة الكبيرة التي تشرف على كل معابد هذا الفرع من العقيدة الهندوسية. ويبلغ أتباع هذا الفرع مليوناً ونيّف من مجموع الهندوس في العالم وعددهم مليار مؤمن. هناك، زارت مقالع الحجر في البلاد. لأن الرأي كان قد استقر على أن يتم تشييد معبد باريس بحجارة آتية من الهند. وذلك لسببين، الأول رمزيّ، وهو نقل شيء من أرض تلك البلاد إلى أرض العاصمة الفرنسية، والسبب الثاني، أن الحجارة الخشنة المستخدمة في البناء خضعت للزخرفة والحفر على الطريقة التقليدية المتوارثة وبأيدي عمال ماهرين هنود.
جاءت أحجار المعبد من عدة مناطق، حيث تخصصت كل قرية في مهمة محددة من قطعها ونحتها وزخرفتها. وعادة ما تأخذ النقوش أشكال زهرات لوتس أو طواويس أو غيرها من مناظر مستلهمة من الطبيعة لتزيين المعبد، وتلتزم كل المعابد الهندوسية بهذا التراث المعماري لكيلا تموت الحرفة.
عرفت المهندسة العراقية أن هذا الفرع العقائدي يتمتع بنشاط اجتماعي واسع، يتمثل في بناء المدارس وتقديم المعونات للمحتاجين. وبدورهم يعتبر أبناء الطائفة أنفسهم منذورين لعقيدتهم. كما راقبت طقوس الصلوات الهندوسية، ولاحظت أن المصلين يحملون الشموع ويديرونها في كل الاتجاهات، وانتبهت إلى اللحن الجميل الذي يرافق الصلاة ويشبه المناجاة الروحية. فهي، إلى جانب دراستها الهندسية، عازفة كمان، تخرجت في مدرسة الموسيقى والباليه في بغداد، وكانت عضواً في الفرقة السمفونية العراقية. وعند عودتها من رحلتها الهندية، جربت أن تتعلم عزف ذلك اللحن على آلة الكمان الخاصة بها.
كان هناك يوم مخصص للنساء ضمن احتفالات افتتاح معبد باريس. وقد فاجأت نهلة ججو الحاضرات، حين عزفت ذلك اللحن الذي مسّ قلوب ثلاثة آلاف امرأة في القاعة وأسال دموعهن. وبعد الحفل، توافدن لاحتضان العازفة العراقية والتعبير عن العرفان لها.
تألف فريق التنفيذ من عشرات العمال الفرنسيين من مختلف الأديان، وضم الفريق مهندساً لبنانياً ومهندسة إيطالية بإدارة المهندسة العراقية. وهي قد عملت أيضاً مع معماري هندي كان يعطيها إرشادات حول المعاني الرمزية لكل جزء من المبنى وقياساته، كما يقدم لها شرحاً للجزء المقدس الذي عليها أن تدخله في التصميم، مع مراعاة شروط البناء في فرنسا وملف السلامة الأمنية.
ومن بين العديد من المباني التي اشتغلت فيها في العراق والخليج ودول إفريقية، تعلمت المهندسة أموراً جديدة تتعلق بالعمارة الدينية المبنية على الرمزية، وأن لكل تفصيل معنى. كما انبهرت بالتزام الجانب الهندي والتخلي عن اللوازم الدنيوية في سبيل تحقيق هذا المشروع. والدرس الأهم الذي تعلمته هو أن العالم المادي الذي نعيش فيه لا يمكنه الاستمرار من دون تضحيات معنوية وروحية.
يقع المعبد في بلدة بوسي-سان-جورج، غير بعيد عن باريس، وفي طريق مخصص للتعايش ونبذ التطرف، تجتمع فيه أماكن صلاة تضم كنيسة وجامعاً ومعبداً بوذياً وكنيساً يهودياً.. ذلك هو شارع السلام.





