في السنوات الخوالي، كنت أحب التردد على نادٍ جميل للجاز في العاصمة الفرنسية، تملكه سيدة مصرية. وأظن أن جميع محبي هذه الموسيقى يعرفون عنوانه كواحد من أشهر صالات العزف الحيّ في باريس.
مرّ زمن وتغيرت اهتماماتي. لكنني، قبل أيام، مشيت مثل المنومة إلى ذلك العنوان الذي ما زلت أحفظه، 7 شارع “بتي إيكوري”. ذهبت لأحضر حفلاً لعازفة الجاز ليلى أوليفيزي، ولا أخفي عليكم أنها المرة الأولى التي أسمع بها. لكن اسم أوليفيزي لم يكن غريباً علي، فقد ارتبط بمهمة صحفية لي إلى موريتانيا قبل أربعين عاماً. مغامرة لا تُنسى.
كان قد تسلم الحكم في نواكشوط، يومذاك، رئيس جديد هو معاوية ولد الطايع. وقد أوفدتني مجلة “الوطن العربي” لإجراء مقابلة معه. ولكن من يوصلني إليه وأنا لا أملك حولاً في شمال أفريقيا ولا قوة؟ سألت زميلي الباهي محمد، له عاطر الذكر، فقال لي: عليك بالسيد أحمد بابا مسكة، مندوب موريتانيا في اليونسكو. وسألت بابا مسكة فقال: عليك بالسيدة ختّو.
وصلت المدينة المسترخية على الكتف اليسرى للبحر الأبيض المتوسط. اتصلت بختّو وكانت تعمل ممرضة في مستشفى نواكشوط، وفي اليوم التالي كنت مدعوة لمقابلة العقيد ولد الطايع في مكتبه الرئاسي. أجريت المقابلة المطلوبة وعدداً من التقارير الثقافية والاجتماعية وعدت من نواكشوط ومعي صندوق من قواقع البحر المجمدة، هدية من الرئيس. انتهت مهمتي الصحفية لكن معرفتي بالسيد بابا مسكة لم تنته، بل امتدت إلى صداقة مع زوجته الفنانة جميلة أوليفيزي. وكانت جميلة اسماً على مُسمّى. كاتبة وعازفة كمان، درست الموسيقى في كونسرفاتوار باريس. لكن شهرتها جاءت من كتابها “أطفال البوليزاريو” الذي حوّلته إلى فيلم وثائقي. وفي عام 1995، خطف المرض تلك الحسناء الكورسيكية الأصل، المولودة في مراكش، وهي في الخمسين من العمر.
إذاً، فإن ليلى هي ابنة الصديقين الراحلين جميلة وأحمد. رأت النور في مقاطعة النورماندي الفرنسية، وهي تسمع الموسيقى تتردد في جنبات بيت العائلة منذ نعومة أذنيها. ويبدو أنها في طفولتها كانت تعزف مع والدتها. ولما بلغت سن المراهقة انضمت إلى فرقة “ذئاب الجاز الصغار”. معلومات جمعتها عنها مما هو متوافر في الفضاء الإلكتروني. ومنها أنها درست الفلسفة في “السوربون”، ونالت الدكتوراه من الجامعة نفسها. وكانت أطروحتها عن عازف البيانو الأميركي الكبير ديوك ألينغتون.
يبدأ الحفل في الثامنة مساء، ويفتح نادي “نيو مورننغ” أبوابه في السابعة والنصف. وقبل الموعد بأكثر من ساعة كان الجمهور يقف في صف طويل عند المدخل. كنت أتصوّر أنني ذاهبة أتطفل على حفل للشباب، ثم ارتفعت معنوياتي حين وجدت أن غالبية المنتظرين رجال ونساء “غزا الشيب رؤوسهم” كما يقول المتأدبون. دخلنا وأخذنا أماكننا في القاعة المتدرجة المطليّة باللون الأحمر من السقوف حتى الأرضية، ومثلها الستائر والأضواء والمشرب الصغير في الزاوية. وكان واضحاً أن للمكان تقاليده الحميمة وروادّه المعتادين.
ظهرت ليلى أوليفيزي على المسرح الضيق مرتدية فستاناً أحمر ذا نقوش إفريقية، وألقت كلمة وعدتنا فيها بأن تأخذنا إلى أجواء ساحرة. ثم أخذت مكانها أمام البيانو وبدأت تعزف برفقة ستة من الموسيقيين على آلات مختلفة.
سمعنا مقطوعات من اسطوانتها “أفريكان رابسودي”، وكان واضحاً أن القارة السمراء تحتوينا دفئاً وإيقاعات، وأن روحَيْ جميلة وبابا مسكة تحومان فوق الرؤوس.
أليس من الإجحاف أن أُنهي المقال قبل أن أحكي، لمن لا يعرف، أن هذا النادي اكتسب شهرته بفضل صحافية عربية هي إجلال فرحي؟
اسمها عند الولادة إجلال زنانيري. ولدت في القاهرة في ربيع 1922، لعائلة من الشوام حيث وفد جدها الأكبر من سوريا وعمل في الخزانة الملكية. والقاهرة كانت “أمّ الدنيا” بحق وحقيق، والاسكندرية عروس المصايف. درست البنت المرفهة العلوم الاجتماعية، ولما اندلعت الحرب العالمية تطوّعت للعمل في الصليب الأحمر.
تزوجت بنت الزنانيري مرتين. الأولى من المصور الصحافي الفرنسي بيير بولا الذي حقق شهرة وعمل مع مجلة “لايف”، ومن خلاله حصلت على الجنسية الفرنسية وبدأت تعمل محررة في مجلة “إيماج” المصرية التي كانت تصدر باللغة الفرنسية. ثم جاءت في أواخر الأربعينيات إلى باريس في زيارة قصيرة لكنها بقيت سنة. وفي تلك السنة تعرفت إجلال على نوادي الجاز وأغرمت بها. لكن زواجها لم يستمر وعادت إلى مصر لتقترن بإبراهيم فرحي، الصحافي المولود لأسرة من البرجوازية اليهودية. وواصلت عملها في الصحافة.
انتقل الزوجان إلى فرنسا بعد حرب 67. وفي باريس، عملت إجلال لدى منشورات “سوي”، وتعاونت مع مجلة “جون أفريك”، قبل أن يحلّق طائر الجاز في سمائها. فقد كان لزوجها ولدان كبيران من زواج سابق، يديران في جنيف صالة للموسيقى باسم “نيو مورننغ”. ومن هناك انتقلت الصالة إلى باريس في 1981. وما كان للمشروع أن ينجح لولا أن ربة الأسرة شمّرت عن ساعديها ونزلت لتدير النادي الجديد.
كانت إجلال فرحي، الشامية المصرية المتزوجة مرتين، على مشارف الستين حين أصبحت صاحبة أشهر ناد للجاز في العاصمة الفرنسية. عاشت 97 عاماً ونالت وسام جوقة الشرف الفرنسي وما زال “نيو مورننغ” قائماً بعد وفاتها.





