إنعام كجه جي
إنعام كجه جي
حديث الإثنين

تحيا العروس

إنعام كجه جي
إنعام كجه جي

نحن أمة محتاجة للفرح. هذا ما أقوله لنفسي وأنا أقطع ساحة معهد العالم العربي في باريس، ذاهبة إلى معرض جديد بعنوان “تحيا العروس!”. لا أعرف من هي العروس، ولم أتزيّن كما يليق بالمناسبة، لكن هذا العنوان يبهجني. إنه هتاف يصدر من صدر احتبست فيه الهموم وبات يبحث عن منفذ للانطلاق.

تعاقبت علينا، وعلى غيرنا من شعوب هذه الأرض، الحروب والنزاعات والفيضانات حتى ضاق الأفق وأعتمت الشمس. أكرر: نحن أمة محتاجة للفرح. تقام المهرجانات والسهرات الفنية في بلاد حباها الله ثروات مباركة، بينما يعشعش في غيرها الغلاء والخوف من الغد. 

المواطن العربي يخاف على نفسه وأبنائه من تراجع التعليم وقلة فرص العمل وانتشار الفكر الأسود والخرافة. صارت الهجرة حلم الملايين من شبابنا، كأن في أوطانهم أفاعيَ تتربص بهم، لدغاتها قاتلة.

تستقبلني في صالات المعرض مجسمات ترتدي أثواب العرس المطرزة بفيض من الألوان. قفاطين وتيجان وعباءات وسراويل وحليّ من الفضة الثقيلة والأحجار الكريمة. إنها ثياب المناسبات السعيدة في بلاد المغرب العربي. تتفنن كل منطقة في رسم أوشامها على كفوف نسائها حتى يُخيَّل لك أنك تشمّ عطر الحناء. وهناك تسجيلات لأغاني ليلة الحنة، ولزفة العروس، تتداخل فيها اللهجات لكن المعنى واحد.

“يا السمرة حبك ولالي جمرة

يا يمّا على عشق الغدرة

يا قلبي واش رافد واش مخبي

يا روحي واش لي داوي جروحي”.

تتميز الأعراس الجزائرية بتنوع الأغاني والإيقاعات حسب اختلاف المناطق. هناك السطايفي، نسبة لمدينة سطيف، والقبائلي، والصحراوي، والوهراني، والقسنطيني. أما في المغرب، فإن دخلة العروس لا بد من أن تترافق مع أصوات الفتيات يصدحن: “الصلاة والسلام عليك يا رسول الله”. وبعدها أهزوجة: 

“ها هي جات زينة البنات

ها هي جات لالة العروسة وصلت

باركوا ليها يا بنات

بزغاريد والعلامات”.

أتنقل بين المعروضات التراثية والمصوغات والأحزمة الفضية والقباقيب وأكتشف أن الحداثة، أو ما نتصوره تمدّناً، قد سرقت منا الكثير من معالم الجمال والرقة والدلال. كم تختلف أزياء الجدات في أعراس الأمس عن لباس العرائس من حفيداتهن! كانت العروس شجرة بثمار متعددة الألوان وصارت سارية نحيلة ملفوفة باللون الأبيض، فإذا أرادت المزيد من البذخ فإنها تختار ثوباً منفوخاً هجيناً يشابه ما كانت ترتديه نبيلات أوروبا في القرون الوسطى. 

نعم نحتاج للفرح.. والنساء بالذات في هذه الأمة الحزينة المبتلاة بالمؤامرات والأطماع. كأن الأنوثة تهمة تستدعي التنصل منها أو جريمة تستحق أن تُلفلف بالأحجبة الثقيلة والجبب السود. ويبقى واهماً من يتصور أنه قادر على حجب الشمس بغربال. يكفي أن تفتح هاتفك لتجد تسجيلات مبهجة لسيدات من مصر، والعراق، وتونس، والخليج، وهنّ في جلسات غناء وطرب. الأكف تصفق والرؤوس تتمايل والحناجر تنطلق بأعذب الأغنيات. هذه ليست احتفالات فحسب بل تظاهرات احتجاج على ظلم ما عاد يمكن أن يستمر.

هناك “كورال السيدات” في لبنان بقيادة رنا صعب. و”نادي الغناء” في تونس بإشراف رحمة بن عفانة. وفرقة “طبلة الست” في مصر. وفرقة “نوارس دجلة” التي تأسست من عراقيات مهاجرات في السويد. أتابع الوجوه في تلك التسجيلات وأراها لسيدات في أعمار مختلفة، شابات وأمهات أكبر سناً ونساء على عتبات الشيخوخة يجتمعن في بيت واحدة منهن من دون مناسبة، سوى أن يتركن لأصواتهن العنان. 

أما الأغنيات المختارة فهي تلك التي حفظناها عن السيدة أم كلثوم، وما كنا نسمعه في الأفلام القديمة من ترانيم ليلى مراد وصباح ووردة وفايزة وعُليّة ونجاة الصغيرة. كلمات عن الهيام والسهر والشوق، استقرت في الذاكرة مثل مواثيق لزمن يقال إنه كان جميلاً. وهو، في الحقيقة، لم يكن “عال العال” ولا بذلك الجمال المثالي، لكنه بالتأكيد أفضل مما جاءتنا به أنظمة الفساد وموجات التطرّف والتبلّد والجهل والكراهية.

في تلك الأيام الخوالي، قبل ثلاثين عاماً، جمعت الدكتورة لطيفة الزيات باقة مختارة من القصص القصيرة لكاتبات من عدة بلدان عربية، واختارت للكتاب اسم “كل هذا الصوت الجميل”. وهو عنوان واحدة من قصص المجموعة للكاتبة سلوى بكر، قصة تتحدث عن امرأة شعبية لها صوت جميل لكنها كانت محرومة من عرض موهبتها على المحيطين بها. ماذا كانت تفعل؟ تقفل على نفسها باب الحمّام وتغني!

أغادر معرض “تحيا العروس” وأنا أترنم بأغنية موصلية، نسبة للموصل مدينة أجدادي، اعتدنا ترديدها في الأعراس. أخاطب نفسي للمرة الثالثة: نحن أمة محتاجة للفرح. والمثل الشعبي يقول إن “الحيّ أبقى من الميت”. وبحسب إحصائيات شعبة السكان في الأمم المتحدة، هناك 224 مليون أنثى عربية على قيد الحياة، وهن يرفضن الوأد في القرن الحادي والعشرين.