نورا أمين فنانة متعددة المواهب، شاعرة ومخرجة ومؤلفة مسرحية ومصممة عروض راقصة. تعرفتُ عليها قبل سنوات، حين اشتركنا في ندوة أدبية بدعوة من بيت الثقافات في برلين. قبل أيام، نشرَت أمين تسجيلاً حياً على منصة “فيسبوك”، قالت فيه إنها في مطار الرياض عائدة إلى بلدها مصر، بعد أن شاركت في ندوة مسرحية بالسعودية. وفي أقل من نصف ساعة، تعرَّض المطار لاعتداء من جماعة الحوثي. مات أشخاص وجُرح آخرون. وكانت نورا على مسافة قصيرة من موقع القصف، مع غيرها من الركاب داخل طائرة شركة “مصر للطيران” المُستعدة للإقلاع.
رغم المخاطر، رفض الطيار إلغاء الرحلة. الإلغاء يعني الاعتراف بالخوف وترويع الأبرياء. أليس هذا هو الهدف من الإرهاب؟ وبعد ساعات قاد طائرته التي حطّت بسلام في مطار القاهرة. ونشرت نورا تسجيلاً ثانياً تروي فيه وقائع تلك التجربة غير المتوقعة وكل ما رافقها من قلق وأمل ودعاء وترقب.
لم تأخذ الفنانة إجازة لترتاح من التوتر الذي عانت منه، بل نشرت دعوة لورشة تدريبية بإشرافها، تقدّم للمشاركين تمرينات تساعدهم على تحمل وجع الفقد. من يعرف هذا الوجع أكثر من نورا أمين التي فقدت، على حين غرّة، حبيبها وشريك حياتها العام الماضي؟ كانت حياتهما معاً قصيرة، عاش كل منهما في واد ثم التقيا كما تلتقي الأزهار بحبوب الطلع. من يرى صورهما معاً يستغرب الشبه بينهما ويظنهما شقيقين، لكن لحظة البهجة كانت أقصر من رمشة عين.
نجحت نورا أمين في نيل شهرة عالمية في مجال الفنون الأدائية. ومن خلال خبرتها في التعامل مع الجسد، توصّلت إلى طريقة لتحويل الفن، والرقص بالتحديد، إلى وسيلة للعلاج من الصدمات النفسية وضغوط الحياة اليومية. وهناك بعض السذّج الذين يتصورونها مجرد راقصة، إذ يقف الجهل عائقاً بينهم وبين تقدير المكانة الراقية لما تقوم به هذه السيدة، التي تصف عملها بأنه نسيج إبداعي يمدّ جسراً بين حركات الجسد وسكينة الروح.
في ورشتها التي التأمت قبل أيام، تغامر نورا في مواجهة طقوس الحزن، وهو شعور إنسانيّ مشروع ومفهوم ولا مهرب منه. لكن غير الإنساني هو الاستسلام للحزن والدخول في تلك الفجوة السوداء التي تمتص من الفرد رحيق الحياة، كأنه قرّر التماهي مع الشخص العزيز المفقود وما عاد يستطيب العيش من دونه.
تكتب إحدى اللواتي تمرَّنَّ أو تعالجن على يدها: “أدركت أنني أريد البكاء كمداواة حتمية يطلبها الجسد وتلتمسها الروح المُثقلة في أمل لإعادة الراحلين. لكن المفقود، وهو المحرّك التلقائي للبكاء، يبقى مفقوداً. ثم قابلت إعلاناً عن طقس مداواة الفقد ورغبت في معايشة تجربة موثوقة مع الدكتورة نورا أمين.. نلتقي ونجرب ونتداوى”.
ويكتب آخر: “في دائرة تتكون منا، نحن الفاقدين، المتلاقين لأول مرّة، تمكنا من بناء مكانة عميقة لا يصل إليها المقربون منذ سنين. تغلّبت الرغبة في كشف الجرح الإنساني، المنهك، وأُنيرت الدائرة بالاكتمال. تلبّس كل منا أزمة الآخر، لم نرَ إلا إنسانيتنا. أنت هو أنا، وذلك من خلال أساليب تنظيمية منطقية حركية صوتية مرشدة للجسد إلى التحرر”.
قبل فترة، خِفت على نورا لأنها نشرت رسالة تشبه الاستغاثة. نداء غريق يطلب قشّة خلاص. قالت إنها استغاثة الفرصة الأخيرة، وفيها تطلب عملاً في أي مجال من المجالات التي برعت فيها. والحقيقة أنني لم أقلق على مجتمع يغمض عينيه عن رؤية المواهب، تلك مشكلة قديمة. لكنني قلقت على من يتغاضى عن الإحساس بالأرواح الشفافة والمتعففة، وهي باتت نادرة بيننا. ثم جاء خبر الورشة وعاد لي الاطمئنان، إن هذه المبدعة بخير، وهي قادرة على النهوض والعمل من جديد.
جاء في واحدة من قصائدها:
“أنا الخطاءة
أنا الغواية والرواية
وهواية الألم أنا
أنا الضعيفة المستضعفة
أنا ختم الشرف
والترف
والرقص والهذيان
أنا الفُجْر
واللذة
والندم
أنا العار والشرف
أنا حواء يقولون
أنا حواء
أنا الفضيلة
والسمع والطاعة أنا
أنا تاء التأنيث المطوية
وجمع التكسير لا يضمني
لا يجمع شتاتي ولا يصونني
أنا الرزق في مولدي
والبسمة في مشيتي
أنا القلق في نشأتي
والعار في نشوتي
أنا إنسان أنا إنسان”.






