الرباط - المهدي هنان
الرباط - المهدي هنان

مقالات مشابهة

رحيل

من الحُكم بالإعدام إلى مُحاورة الحسن الثاني.. حميد برادة المناضل الذي هرب من السياسة إلى الصحافة

الرباط - المهدي هنان
الرباط - المهدي هنان

بدأ حياته السياسية معارضاً شرساً لنظام الحسن الثاني، وحُكم عليه غيابياً بالإعدام عام 1963، بعد أن تقلَّد منصب رئيس “الاتحاد الوطني لطلبة المغرب” في عز المواجهة بين اليسار ونظام الملك الراحل. هرب إلى الجزائر متخفياً في لباس امرأة، ثم عاش فترة طويلة في فرنسا، حيث تحوّل إلى صحافي مرموق، ارتبط اسمه بمجلة “جون أفريك”، التي رأس تحريرها، وترك بصمة واضحة في تاريخ المجلة.

حميد برادة، الصحافي المغربي الوحيد، الذي حظي بمحاورة الحسن الثاني… كيف انتقل من السياسة إلى الصحافة؟ وكيف تحوّل من أشرس معارضي الملك المغربي الراحل إلى أكبر المدافعين عن سياساته؟ 

رحل الصحافي والمثقف اليساري المغربي حميد برادة، ليلة الجمعة – السبت 26 سبتمبر/أيلول 2026، عن عمر يناهز 87 سنة، مخلفاً وراءه مساراً طويلاً من العمل السياسي والإعلامي، لا يخلو من مفارقات، كُتِبت فصوله الأبرز بين المغرب وفرنسا.  

ولد برادة في مدينة طنجة سنة 1939 لأسرة “وطنية”، وفدت من فاس إلى عاصمة الشمال. والده عبد القادر برادة، كان قيادياً في حزب “الشورى والاستقلال”، المنافس الشرس لحزب “الاستقلال”، في خمسينيات القرن الماضي، وقد دفع حياته ثمناً للصراع بين الحزبين، إذ قُتل في ظروف غامضة، في عز الصراع بين “الشوريين” و”الاستقلاليين، ولم تتضح ملابسات مقتله أبداً، وظلَّ حميد يحمل جرح والده طوال حياته، رغم أن ذلك لم يمنعه من الانضمام إلى الجناح الراديكالي في حزب “الاستقلال”، الذي يتحمل المسؤولية المعنوية في اغتيال والده!

القائد الطلابي

كان برادة في مقتبل العمر، حين انضم إلى “الاتحاد الوطني لطلبة المغرب”، نقابة الطلاب اليسارية، التي لعبت دوراً مهماً في التاريخ السياسي المغربي الحديث. كانت المنظمة مرتبطة بحزب “الاتحاد الوطني للقوات الشعبية”، أكبر حزب معارض لنظام الحسن الثاني في ستينيات القرن الماضي، وسرعان ما سيتقلّد برادة رئاسة المنظمة في مؤتمرها الثامن عام 1963. 

كان “الاتحاد الوطني لطلبة المغرب” قد تحوّل إلى تنظيم راديكالي، يتجاوز دوره كنقابة طلابية، ليصبح فاعلاً سياسياً ميدانياً، يقود الاحتجاجات في الشارع، ويدعو إلى إضرابات مفتوحة، وتظاهرات تطالب بالحرية وتندد بـ”الاستبداد والحكم الفردي”، بتنسيق مع المعارضة اليسارية، وفي مقدمتها حزب “الاتحاد الوطني للقوات الشعبية”، مما جعلها شاهداً محورياً على ما سُمّي بحقبة “سنوات الرصاص”. 

في هذا السياق تدرج حميد برادة وتوطدت علاقاته مع أبرز قادة الحركة الوطنية واليسار المغربي، والشخصيات السياسية والفكرية في تلك الحقبة، من ضمنهم المهدي بنبركة، أبرز قادة “الاتحاد الوطني للقوات الشعبية”، بحيث جمعتهما روابط نضالية وثيقة، وحُكم عليهما غيابياً بالإعدام عام 1963، على خلفية موقفهما من “حرب الرمال”، التي اندلعت بين المغرب والجزائر. 

كما ربطته علاقات مع جل زعماء اليسار وقتها، مثل عبد الرحيم بوعبيد ومحمد بن سعيد أيت إيدر وعبد الرحمن اليوسفي والفقيه محمد البصري ومولاي عبد السلام الجبلي… وكلهم تفرقوا بين المنافي والسجون، بعد أن قرر الحسن الثاني أن يُسلط آلته القمعية على معارضيه. 

الحكم بالإعدام

حُكم على برادة بالإعدام، بعد أحداث ما يُعرف بـ”مؤامرة 16 يوليو/تموز 1963″. خلال صيف تلك السنة، أعلنت السلطات المغربية عن توقيف واعتقال العشرات من قيادات “الاتحاد الوطني للقوات الشعبية” والرموز النقابية والطلابية، بتهمة التخطيط لـ”مؤامرة اغتيال الملك الحسن الثاني وقلب نظام الحكم بالقوة”. لكن حميد برادة تمكّن من الفرار إلى الجزائر، قبل اعتقاله، وحين اندلعت “حرب الرمال” بين المغرب والجزائر، اصطف إلى جانب الطرف الجزائري، مما عقد وضعه، وحُكم عليه غيابياً بالإعدام. 

في شهادته التأبينية، التي نشرها على صفحته الخاصة على منصة التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، يعود علي بوعبيد، نجل الزعيم اليساري الراحل عبد الرحيم بوعبيد، لهذه المرحلة، مسجلاً: “قبل صدور حكم الإعدام غيابياً في حقه، غادر (برادة) المغرب سراً، متخفياً في زي امرأة، رفقة مولاي عبد السلام الجبلي عبر الحدود الجزائرية. وهناك، وبوساطة من عبد الرحيم بوعبيد لدى البشير بن يحمد (مؤسس مجلة جون أفريك)، بدأت مسيرته الصحفية في مجلة “جون أفريك”. منذ ذلك التاريخ، ظلَّ ينفي عن نفسه صفة المناضل، ليعلن طموحه في أن يكون صحفياً مهنياً يبحث عن الحقيقة؛ وهو أمر لم يغفره له العديد من رفاقه القدامى، ولأن “جون أفريك” كانت حينها المجلة الناطقة بالفرنسية الأكثر قراءة، فقد استغلها للوصول إلى كافة النخب السياسية المغربية، بما في ذلك القصر”.

من مناضل إلى صحافي

شكَّلت مجلة “جون أفريك” محطة فارقة في مسيرة حميد برادة، ومن خلالها سيدخل إلى عالم الصحافة من بابه الواسع، مستثمراً رصيده السياسي وقربه من أسماء مغربية وإفريقية وفرنسية وازنة في عالم السياسة والاقتصاد والثقافة، وسيصبح واحداً من أهم أقلامها قبل أن يتقلًد منصب رئيس التحرير. 

هكذا يستعيد محمد السلهامي، الناشر والصحافي المغربي، علاقته مع برادة في قاعة تحرير المجلة: “عملت إلى جانب حميد سنوات طويلة في هيئة التحرير الباريسية للمجلة، كان هو رئيس التحرير وكنت أنا صحافياً”، قبل أن يضيف: “كانت تلك الحقبة الذهبية لمجلة “جون أفريك”، حيث لم تكن المجلة تكتفي بتقديم أخبار السياسة الأفريقية، بل كانت تعلّق عليها وتؤثر فيها، بل تمنح الانطباع أحيانا بأنها قادرة على صنع السياسيين أو الإطاحة بهم… كانت لحميد مكانة خاصة ضمن هيئة التحرير، وكان يملك الشخصية والثقافة والسلطة اللازمة لقيادة الفريق، وفوق ذلك، كان يملك صفة نادرة عند الصحافي: يعرف كيف يطرح الأسئلة… كان محاوراً بارعاً، يمتلك فن استدراج محدّثيه إلى حيث لم يكونوا يعتزمون الذهاب؛ و”ضحاياه”، إن جاز التعبير، كانوا يخرجون من حواراته أحياناً في مواقف لا يحسدون عليها”.

خلال مرحلة المنفى الفرنسي، راجع برادة مواقفه المعارضة لنظام الحسن الثاني. يقول السياسي المغربي عمر بلافريج في تصريح لـ”غلوبال ووتش عربية”: “لم يكن يُخفي ذلك، لقد تحوّل إلى داعم كبير للحسن الثاني عن قناعة صادقة، وكنت أختلف معه في ذلك”. 

ويتذكر بلافريج لقاءاته الباريسية مع برادة: “كنت طالباً في الـ17 من عمري، وكان يستقبلني في منزله بباريس خلال عطل نهاية الأسبوع، بسبب علاقتي العائلية به، وبصدق كانت تلك الليالي دروساً كبيرة لي في النقاش الفكري والسياسي، حكى لي كثيراً عن مغرب الستينات والسبعينات والثمانينات”… يصف بلافريج حياة الرجل بأنها مليئة بالمغامرات، والتقلبات، وجديرة بالاحترام، وأنها تصلح لأن تكون عملاً أدبياً، من انتخابه على رأس أكبر تنظيم طلابي بالمغرب، إلى الحكم عليه بالإعدام وتجربة المنفى إلى العودة للأوساط السياسية المغربية.

العودة للوطن

في 1978 سيسمح لبرادة بالعودة مجدداً للمغرب، وأعفي من الحكم بالإعدام. بعدها بسنوات قليلة، سيحظى بفرصة محاورة الملك الحسن الثاني، وهو الصحافي المغربي الوحيد الذي حقق ذلك. وشكّل ذلك بداية “إعادة تأقلم” برادة مع الوطن، حيث استطاع أن يواكب مرحلة الانفراج السياسي، والانتقال الديمقراطي في أواخر التسعينيات وما بعدها. 

ويُعدّ الحوار الذي أجراه مع الملك الراحل الحسن الثاني في 26 أغسطس/آب 1985 بقصر الصخيرات، ونشرته مجلة “جون أفريك”، واحداً من أشهر الحوارات الصحفية وأكثرها تأثيراً في التاريخ السياسي والإعلامي المغربي. نُشر الحوار بعنوان مقتبس من كلام الحسن الثاني: “مأساة المغرب هي أنه لم يتعامل مع استعمار واحد، بل مع استعمارين: الإسبان والفرنسيون”، وقد عرّج على العديد من القضايا، أبرزها قضية الصحراء والعلاقة بين الرباط والجزائر، والتعددية الحزبية والسياسية في المغرب. 

قبل عودته للمغرب، شغل حميد برادة منصب مدير في قناة TV5 الفرنكفونية، مكلفاً بالشؤون المغاربية والشرق أوسطية، مواصلاً توقيع مقالاته في مجلة “جون أفريك”.

من الشاشة إلى مواصلة الإصلاح السياسي

ابتداءً من عام 2007 سيلتحق بالقناة الثانية المغربية، معداً ومقدماً لبرنامج حواري شهير اختار له اسم (?Mais encore)، استضاف فيه أسماء وازنة في عالم الفكر والسياسة واستمر بثه إلى غاية سنة 2018. 

وإذا كان الموقف من نظام الحسن الثاني، هو ما فرّق بين عمر بلافريج وحميد برادة فكريا، فإن الرغبة في الإصلاح الدستوري والسياسي، الذي عبر عنه الملك محمد السادس، عقب احتجاجات 20 فبراير/شباط 2011، هي ما جمعهما من جديد. يقول بلافريج عن هذه الواقعة: “اعتبرت أن خطاب الملك محمد السادس تفاعلاً مع الحراك المغربي حينها، خطاباً تاريخياً، وقد اتصل بي برادة بصفته صحافياً ودعاني للمشاركة في برنامجه بالقناة الثانية لمناقشة هذا الموقف، وهو ما استجبت له”.

يُجمع الذين عاشوا جنب برادة في العمل السياسي والإعلامي أنه كان إنساناً مبدئياً، متقد الفكر، نزيهاً، لم يحصّل مكاسب مادية من قربه من الدوائر السياسية العليا. عاش حياة بسيطة، ورحل بصمت، تاركاً إرثا إعلامياً غنياً، وشهادات حيّة عن المغرب المعاصر.