بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

توترات سياسية

أزمات متزامنة تختبر قدرة إثيوبيا على إدارة الداخل.. وتداعيات تتجاوز الحدود

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

تدخل إثيوبيا مرحلة مختلفة من أزمتها الداخلية، بعدما بدأت التوترات السياسية والأمنية والاقتصادية تتقاطع بصورة تضغط على قدرة الدولة المركزية على إدارة البلاد. وما يجعل هذه المرحلة أكثر حساسية، هو أن تداعياتها لا تتوقف عند حدودها، بل تمتد إلى السودان ومصر وجيبوتي، حيث يرتبط الأمن الحدودي والنيل والتجارة والطاقة والوصول إلى البحر الأحمر مباشرة باستقرار إثيوبيا.

لم تعد المشكلة محصورة في صراع إقليمي أو جماعة مسلحة بعينها، بل باتت مرتبطة بتراكم أزمات تضغط في الوقت نفسه على المركز، من الاقتصاد والإنفاق الأمني إلى التنافس الإثني وطموحات الوصول إلى البحر. ومع اتساع هذه الدائرة، تتحول الأزمة الإثيوبية إلى عامل مؤثر في توازنات القرن الإفريقي، خصوصاً أن تجارة البلاد تعتمد بدرجة كبيرة على جيبوتي، بينما تتقاطع حدودها ومصالحها الأمنية مع السودان، وترتبط علاقتها بمصر بملفات النيل وأمن المنطقة.

الدولة تواجه تعدد الجبهات

يظهر التحدي الأساسي في اتساع الفجوة بين حجم الدولة التي تحاول أديس أبابا إدارتها وبين قدرتها على ضبط التوازنات التي تحكم أقاليمها. فقد قام النظام السياسي الإثيوبي على صيغة اتحادية تمنح القوميات والأقاليم مساحة واسعة من السلطة، لكن هذه الصيغة تحولت تدريجاً إلى ساحة تنافس على النفوذ والموارد والقوة المسلحة.

ومع وصول آبي أحمد إلى السلطة، اتجهت الحكومة إلى إعادة بناء مركز أقوى، إلا أن هذه العملية اصطدمت بتراكمات تاريخية لم تختفِ مع تغيير القيادة. وأظهرت الحرب في تيغراي، ثم الصراع في أمهرة وأوروميا، أن الحكومة لا تواجه خصماً واحداً يمكن احتواؤه عبر تسوية منفردة، بل شبكة من المطالب والهويات والمصالح التي تتغير تحالفاتها وفق موازين القوى المحلية.

الأهم في تشكّل التحالف المسلح الجديد ليس أسماء الجماعات التي انضمت إليه بقدر ما يعكسه من تحول في طبيعة المعارضة للسلطة الاتحادية. فاجتماع “جبهة تحرير شعب تيغراي”، و”حركة فانو” الوطنية الأمهرية، و”جيش تحرير أورومو”، إلى جانب قوى مسلحة من أوغادين وعفار وبني شنقول-قموز، يوسع نطاق المعارضة المسلحة خارج حدودها الإثنية والإقليمية التقليدية. وعلى الرغم من التباعد بين هذه القوى في رؤيتها لشكل الدولة ومصالحها الإقليمية، فإن تقاطعها حول هدف إسقاط الحكومة وتشكيل إدارة انتقالية يخلق للمرة الأولى مساحة تنسيق تتجاوز الجبهات المحلية.

والأكثر دلالة أن هذا التقارب لم ينشأ بصورة مفاجئة، إذ تشير المعطيات إلى اتصالات استمرت نحو عام، ما يوحي بمحاولة بناء تنسيق عابر للأقاليم يمكنه تحويل الصراعات المتفرقة إلى ضغط متزامن على السلطة الاتحادية.

ثم جاء التصعيد في تيغراي ليمنح هذا التحول بعداً عسكرياً مباشراً. فقد سيطرت قوات تيغراي على مطارات ميكيلي وأكسوم وشيري، ما دفع الخطوط الجوية الإثيوبية إلى تعليق رحلاتها إلى الإقليم، فيما امتد القتال إلى مناطق في عفار وأمهرة. وتضع هذه التطورات اتفاق بريتوريا الذي أنهى حرب 2020–2022 أمام اختبار جديد، بعدما عادت المواجهة إلى مناطق ترتبط بشبكات النقل والتجارة والاتصال داخل البلاد.

ولا تكمن دلالة التصعيد في احتمال تجدد القتال وحده، بل في توقيته أيضاً. تواجه الحكومة في الوقت نفسه أعباء أمنية واقتصادية متراكمة، ما يجعل أي توسع عسكري أكثر كلفة على موارد الدولة وقدرتها على توجيه الإنفاق نحو التنمية والخدمات.

الاقتصاد تحت ضغط الحرب

لا تعني هذه التطورات أن الاقتصاد الإثيوبي دخل مرحلة انهيار شامل، لكن الضغوط المالية والنقدية أصبحت جزءاً من اختبار قدرة الدولة على تمويل مشاريعها والحفاظ على الخدمات وإدارة الإنفاق الأمني في وقت واحد. ومنذ 2024، دخلت أديس أبابا في برنامج إصلاح اقتصادي واسع، شمل سعر الصرف والقطاع المالي وإعادة هيكلة الديون، في محاولة لمعالجة اختلالات تراكمت خلال سنوات من الحرب ونقص العملة الأجنبية.

غير أن الإصلاح الاقتصادي يحتاج إلى بيئة أكثر استقراراً كي تتحول نتائجه إلى قدرة مالية مستدامة، واستمرار القتال يرفع كلفة الأمن ويضغط على حركة التجارة والإنتاج والنقل، بينما يؤدي اضطراب المناطق المنتجة والممرات الداخلية إلى زيادة العبء على المركز.

من هنا يصبح الاقتصاد جزءاً من معادلة الأمن نفسها، فكلما توسعت رقعة الصراع، ازدادت الموارد المطلوبة لإدارتها، وكلما تراجعت قدرة الدولة على توجيه هذه الموارد نحو الاستثمار والإنتاج، أصبحت عملية استعادة التوازن الاقتصادي أكثر صعوبة.

وتظهر أهمية هذا العامل بصورة أوضح في ملف الوصول إلى البحر الأحمر. إثيوبيا دولة غير ساحلية وتعتمد بدرجة كبيرة على الممرات التي تربطها بموانئ المنطقة، وفي مقدمتها جيبوتي. لذلك لا تنظر أديس أبابا إلى الوصول البحري باعتباره ملفاً تجارياً منفصلاً، بل باعتباره جزءاً من أمنها الاقتصادي وقدرتها على الحفاظ على نموذجها التنموي.

جيبوتي بوابة الاقتصاد

تكشف العلاقة مع جيبوتي عن حجم الترابط بين الاقتصاد الإثيوبي والجغرافيا الإقليمية. ويمثل الممر الجيبوتي شرياناً رئيساً للتجارة الإثيوبية، بينما يتيح التعاون في مجالات الطاقة والنقل لأديس أبابا تقليل بعض الضغوط المرتبطة بوضعها كدولة غير ساحلية.

ويؤكد مشروع خط أنابيب المنتجات النفطية بين ميناء داميرجوج في جيبوتي وديويلي في إثيوبيا أن هذا الممر سيبقى محوراً أساسياً في حسابات الطاقة والتجارة الإثيوبية، حتى مع سعي أديس أبابا إلى توسيع خياراتها البحرية.

لكن الاعتماد على ممر واحد يضيف بعداً آخر إلى حسابات الأمن الإثيوبي، فاستقرار طرق التجارة والطاقة لا يرتبط فقط بقدرة الحكومة على تأمين أراضيها، بل أيضاً بعلاقاتها مع الدول التي تمر عبرها هذه الشبكات.

السودان ومصر أمام تداعيات جديدة

تتصل الأزمة الإثيوبية مباشرة بمحيطها الغربي والشمالي، فالسودان يواجه حرباً مستمرة جعلت حدوده الشرقية أكثر حساسية أمام حركة اللاجئين والتهريب والسلاح، بينما تضيف الاضطرابات داخل إثيوبيا عاملاً جديداً إلى بيئة أمنية إقليمية مضطربة أصلاً. أما مصر، فتراقب التطورات من زاويتين متداخلتين: أمن النيل، وموقع إثيوبيا كقوة رئيسة في القرن الإفريقي. وأي تغير كبير في توازنات الداخل الإثيوبي يمكن أن ينعكس على حسابات العلاقات بين البلدين وعلى شبكة التوازنات التي تربط شرق القارة بالبحر الأحمر.

لكن تأثير الأزمة لا يتوقف عند هذه الملفات. وكلما أصبحت إثيوبيا أقل قدرة على ضبط أقاليمها وممراتها الداخلية، ازدادت أهمية مواقف الدول المحيطة بها، وتحولت قضايا الحدود والتجارة والطاقة والمياه إلى عناصر مترابطة في الحسابات الأمنية الإقليمية.

لا تبدو إثيوبيا أمام انهيار مفاجئ للدولة، بقدر ما تواجه اختباراً لقدرتها على منع الصراعات المتزامنة من التحول إلى مراكز نفوذ مستقلة عن المركز. إن المعضلة الأساسية لم تعد السيطرة على منطقة واحدة، بل الحفاظ على قدرة الدولة على إدارة الأمن والاقتصاد والعلاقات الإقليمية ضمن إطار سياسي واحد.

وهذا ما يجعل المرحلة المقبلة مهمة للمنطقة بأكملها، لأن مستقبل إثيوبيا لن تحدده الجبهات المسلحة وحدها، بل قدرة الدولة على استعادة مساحة سياسية واقتصادية تسمح لها بإدارة تناقضاتها الداخلية من دون أن تتحول هذه التناقضات إلى واقع إقليمي دائم.