يدخل رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد ولايته الجديدة بينما تتغير طبيعة الأزمة التي تحكم بلاده. لم تعد المسألة مواجهة بين الحكومة وتمرد إقليمي يمكن احتواؤه عسكرياً، بل صراعاً تتقاطع فيه مراكز القوة المحلية مع حدود مفتوحة على إريتريا والسودان، ومع تنافس مصري إثيوبي حول مياه النيل، ومع سباق أوسع على موقع إثيوبيا في البحر الأحمر.
إن عودة القتال إلى تيغراي وتشكيل تحالف مسلح متعدد الأقاليم لا يمثلان مجرد جولة جديدة من الحرب، بل يمثلان مؤشراً إلى انتقال الأزمة من صراع على السلطة إلى صراع على شكل الدولة وحدود نفوذها.
المشكلة الأساسية أمام آبي أحمد ليست غياب القوة العسكرية. فقد أثبتت القوات الفيدرالية قدرتها على استعادة ميكيلي، كما تمتلك الحكومة قدرات جوية وتقنية وشبكة علاقات خارجية توفر لها دعماً سياسياً وعسكرياً واقتصادياً. المعضلة تكمن في أن التفوق العسكري لا يعالج وحده أزمة النظام الفيدرالي، ولا يمنع إعادة إنتاج التمرد في مناطق أخرى.
أزمة دولة لا تمرد واحد
يكشف التحالف الجديد بين جبهة تحرير شعب تيغراي وفانو وجيش تحرير أورومو ومجموعات أخرى عن نقطة جوهرية، وهي أن الخصومة مع آبي أحمد أصبحت قاسماً مشتركاً بين قوى لم تستطع سابقاً تجاوز تناقضاتها. وهذا لا يعني أن هذه الجماعات تحولت إلى تنظيم عسكري موحد، بل يعني أن السلطة المركزية أصبحت تواجه خصوماً يستطيعون فتح جبهات متزامنة من دون الحاجة إلى الاتفاق على مشروع سياسي واحد.
تمنح الجغرافيا خصوم الحكومة ميزة تتجاوز حدود وحدتهم السياسية. تيغراي تقع على الحدود مع إريتريا، وأمهرة تمتد على ممرات استراتيجية في الشمال، وأوروميا تحيط بأديس أبابا وتشكل الثقل الديموغرافي الأكبر، فيما تمنح عفر موقعاً حساساً بين الداخل الإثيوبي والبحر الأحمر. ويعني هذا التوزيع أن الضغط على الحكومة يمكن أن يتنقل بين أقاليم مختلفة، حتى من دون وجود قيادة عمليات مشتركة، بما يفرض على القوات الفيدرالية توزيع مواردها على مساحات واسعة ومتباعدة.
أما الخلافات داخل التحالف، فهي في الوقت نفسه مصدر قوته وضعفه. قوته أنه يجمع عدة بؤر تمرد، وضعفه أن كل مكون يحمل تصوراً مختلفاً للدولة والأرض والسلطة. ولذلك يصعب افتراض قدرته على إسقاط الحكومة عسكرياً أو إدارة البلاد كبديل موحد. الأرجح أن تأثيره الأساسي يكمن في رفع كلفة بقاء النظام في حالة حرب دائمة وإجباره على توزيع موارده بين أقاليم متباعدة.
وهذا يضع آبي أحمد أمام معضلة لا تحلها استعادة المدن. يمكن للجيش أن يستعيد ميكيلي، لكن إعادة بناء سلطة سياسية مقبولة في تيغراي وأمهرة وأوروميا قضية مختلفة تماماً. فكل انتصار عسكري لا يتبعه ترتيب سياسي يترك وراءه بيئة قابلة لإنتاج جولة جديدة من القتال.
إريتريا كجبهة خارجية
تتضاعف المشكلة لأن الحدود الشمالية لم تعد منطقة احتواء، بل أصبحت جزءاً من الصراع نفسه، إذ تحولت إريتريا من شريك عسكري لأديس أبابا خلال حرب تيغراي إلى خصم يتبادل معها الاتهامات، وصولاً إلى قطع العلاقات الدبلوماسية.
المسألة تتجاوز الخلاف الشخصي أو السياسي بين قيادتي البلدين. بالنسبة إلى أسمرة، يمثل أي حضور إثيوبي على البحر الأحمر، خصوصاً في محيط عصب، تهديداً لمعادلة أمنية تقوم عليها الدولة الإرترية منذ استقلالها. وبالنسبة إلى أديس أبابا، يمثل غياب منفذ بحري قيداً استراتيجياً على اقتصاد دولة ضخمة سكانياً وجغرافياً.
أصبح البحر الأحمر امتداداً طبيعياً للصراع الداخلي الإثيوبي. وكلما زادت حساسية العلاقة مع أسمرة، أصبح القتال في تيغراي أكثر ارتباطاً بالحدود، وأصبح أي دعم محتمل للقوى المناهضة للحكومة أكثر تأثيراً، حتى لو لم يصل إلى مستوى التدخل العسكري المباشر.
وتتهم أديس أبابا إريتريا بدعم التحالف المعارض، فيما تنفي أسمرة ذلك. ولا توجد أدلة علنية كافية تثبت حجم هذا الدعم. لكن مجرد انتقال العلاقات إلى القطيعة الدبلوماسية يغير الحسابات الأمنية، لأن احتمال وجود جبهة خارجية يفرض على الجيش الإثيوبي الاحتفاظ بموارد وقوات على الحدود بدلاً من تركيزها بالكامل في الداخل.
مصر والسودان.. العمق الاستراتيجي
ترتبط حسابات القاهرة تجاه الأزمة الإثيوبية أساساً بأمن النيل وموازين القوة في القرن الأفريقي والبحر الأحمر. لذلك فإن أي تغير في قدرة أديس أبابا على إدارة أزمتها الداخلية أو توسيع نفوذها الإقليمي ينعكس على المصالح المصرية، خصوصاً في ظل الخلاف المستمر حول سد النهضة. أما السودان، فتفرض حربه الداخلية وخلافه الحدودي مع إثيوبيا حول الفشقة معادلة أكثر تعقيداً؛ إذ أضعفت الحرب قدرته على ضبط حدوده، وحولت الشريط الحدودي إلى مساحة يمكن أن تتحرك فيها الجماعات المسلحة ومسارات الإمداد، من دون أن يعني ذلك وجود قرار رسمي من الخرطوم بدعم المعارضة الإثيوبية.
تفرض هذه المعادلة الفصل بين الاتصالات السياسية وأي دعم عسكري مباشر للجماعات المسلحة. اتهامات أديس أبابا لمصر والسودان وإريتريا بمساندة خصومها لا تكفي لإثبات وجود تنسيق إقليمي منظم لإدارة الحرب، خصوصاً مع نفي الدول الثلاث لهذه الاتهامات. لكن التحركات المصرية في محيط إثيوبيا، ولا سيما تعميق العلاقات مع إريتريا والصومال، تخلق مجالاً أوسع لموازنة النفوذ الإثيوبي. وتستطيع القاهرة من خلال هذا الحضور الإقليمي زيادة كلفة تحركات أديس أبابا في ملفي النيل والبحر الأحمر، من دون الحاجة إلى الانخراط المباشر في الصراع الداخلي.
سد النهضة كأداة نفوذ
يفسر سد النهضة جزءاً كبيراً من هذه الحسابات. بعد اكتماله وتشغيله، انتقل الخلاف من سؤال البناء إلى سؤال السيطرة على قواعد التشغيل وإدارة المياه. وهذا تحول مهم؛ لأن السد أصبح واقعاً دائماً في معادلة النيل، بينما تتركز المواجهة الآن على كيفية استخدام هذه القدرة خلال فترات الجفاف وعلى مستقبل المشاريع الإثيوبية في النيل الأزرق.
بالنسبة إلى أديس أبابا، السد ليس مجرد منشأة لتوليد الكهرباء، بل رمز لقدرتها على اتخاذ قرارات استراتيجية مستقلة. وبالنسبة إلى القاهرة، فإن امتلاك إثيوبيا قدرة أكبر على التحكم في تدفقات النيل يفرض التعامل مع المسألة باعتبارها قضية أمن قومي طويلة الأمد.
يؤثر مستوى الاستقرار الداخلي في إثيوبيا مباشرة في قدرتها على التحرك خارج حدودها. وكلما استنزفت التمردات والأزمات الحدودية موارد الدولة، تقلص هامش أديس أبابا لفرض أجندتها الإقليمية، بينما يمنحها الاستقرار الداخلي قدرة أكبر على المناورة في ملفات النيل والبحر الأحمر. ولهذا يرتبط الصراع الداخلي، بصورة غير مباشرة، بحسابات سد النهضة؛ فالتنافس على مياه النيل لا يفسر أسباب التمرد، لكنه يرفع القيمة الاستراتيجية لأي تغير في ميزان القوى داخل الدولة الإثيوبية.
معسكران وأدوات مختلفة
يحصل آبي أحمد على عمق خارجي من خلال علاقاته الخارجية، إلى جانب القدرات العسكرية التي راكمتها الحكومة خلال الحرب السابقة، خصوصاً في مجال الطائرات المسيّرة والتقنيات الحديثة. ولا يعني ذلك أن هذه الدول تشكل تحالفاً عسكرياً موحداً خلف أديس أبابا، لكن مصالحها المختلفة تمنح الحكومة مساحة للحركة والاستمرار.
في المقابل، لا توجد أدلة علنية مكتملة على تسليح منظم للتحالف المناهض من دولة إقليمية واحدة. ولذلك فإن الحديث عن الدعم يجب أن يتجاوز مفهوم السلاح. التمويل، الاتصالات، الملاذات، حركة القيادات، إعادة الانتشار، الدعم الإعلامي والقدرة على عبور الحدود يمكن أن تكون جميعها أدوات لإطالة عمر التمرد.
لكن العامل الخارجي لا يفسر الأزمة وحده. جبهة تحرير شعب تيغراي وفانو وجيش تحرير أورومو تمتلك جذوراً محلية ومقاتلين وخبرة قتالية ومظالم سياسية واجتماعية متراكمة. ولهذا فإن قطع خطوط الدعم الخارجية، حتى لو أمكن ذلك، لن ينهي الصراع ما لم تُعالج الحكومة أسباب إعادة إنتاجه.
ولاية جديدة واختبار مختلف
تمنح استعادة ميكيلي آبي أحمد أفضلية عسكرية في بداية ولايته الجديدة، لكنها لا توفر حلاً للأزمة. التحدي الحقيقي هو منع تحول الانتصار العسكري إلى مرحلة جديدة من الحرب، ومنع تزامن جبهات تيغراي وأمهرة وأوروميا مع ضغط إريتري محتمل وتوتر مستمر مع مصر والسودان.
تتحرك الأزمة الآن ضمن ثلاث دوائر مترابطة: داخلية تتعلق بشكل الدولة وتوزيع السلطة، وحدودية تتصل بإريتريا والسودان، وإقليمية تتعلق بالنيل والبحر الأحمر، وكل دائرة تضاعف أثر الأخرى.
إذا بقيت الحكومة تتعامل مع هذه الدوائر باعتبارها أزمات منفصلة، فإن قدرتها على السيطرة ستبقى مرتبطة بقدرتها على خوض الحرب في أكثر من اتجاه. أما إذا نجحت في تحويل التفوق العسكري إلى ترتيبات سياسية تقلل دوافع التمرد، فقد تستعيد الدولة مساحة للمناورة الخارجية.
لذلك تبدأ ولاية آبي أحمد الجديدة من معادلة تتجاوز شخص رئيس الوزراء نفسه. القضية هي ما إذا كانت إثيوبيا قادرة على الحفاظ على مركز الدولة بينما تتحول الأقاليم والحدود والمياه والمنافذ البحرية إلى أدوات في صراع واحد على النفوذ. المعركة المقبلة لن تُحسم فقط في ميكيلي أو أمهرة أو أوروميا، بل في قدرة أديس أبابا على منع هذه الجبهات من الاندماج في أزمة استراتيجية واحدة.















