تدخل إثيوبيا مرحلة تتقاطع فيها أزمات سياسية وأمنية واقتصادية، بما يضغط على قدرة الحكومة المركزية على إدارة التوازنات بين الأقاليم والقوميات. فبعد حرب تيغراي، استمرت التوترات في أمهرة وأوروميا ومناطق أخرى، بينما تتجه قوى مسلحة ذات خلفيات مختلفة إلى تنسيق تحركاتها ضد الحكومة، ما يوسع نطاق التحديات أمام المركز ويجعل الأزمة تتجاوز حدود الصراعات المحلية المنفصلة.
يعكس هذا الوضع أزمة أعمق في العلاقة بين المركز والأقاليم، إذ تحولت الصيغة الفدرالية الإثيوبية إلى ساحة تنافس على النفوذ والموارد والقوة المسلحة. ومع عودة القتال في تيغراي وسيطرة قوات الإقليم على مطارات رئيسية، إلى جانب امتداد المواجهات إلى أمهرة وعفار، يواجه اتفاق بريتوريا الذي أنهى حرب 2020-2022 اختباراً جديداً، بينما تتزايد كلفة الحفاظ على الاستقرار والأمن.
اقتصادياً، تواجه أديس أبابا ضغوطاً مالية ونقدية متراكمة بالتزامن مع تنفيذ إصلاحات تشمل سعر الصرف والقطاع المالي وإعادة هيكلة الديون. ويزيد استمرار الاضطرابات من أعباء الإنفاق الأمني ويؤثر على التجارة والإنتاج والنقل، في وقت تسعى فيه إثيوبيا إلى تعزيز خياراتها للوصول إلى البحر الأحمر وتقليل تداعيات وضعها كدولة غير ساحلية، مع استمرار اعتمادها الكبير على الممر التجاري عبر جيبوتي.
وتنعكس هذه التطورات مباشرة على محيط إثيوبيا الإقليمي، ولا سيما السودان ومصر وجيبوتي. فالحرب المستمرة في السودان تجعل الحدود الإثيوبية أكثر حساسية أمام حركة اللاجئين والتهريب والسلاح، فيما تتابع مصر التطورات من زاوية أمن النيل والتوازنات في القرن الإفريقي. أما جيبوتي، فتبقى بوابة رئيسية للتجارة والطاقة الإثيوبية، ما يجعل استقرار الممرات التي تربط البلدين جزءاً من الحسابات الاقتصادية والأمنية لأديس أبابا.
ولا تبدو الأزمة بالضرورة أمام انهيار مفاجئ للدولة، بقدر ما تواجه اختباراً لقدرتها على منع الصراعات المتزامنة من التحول إلى مراكز نفوذ مستقلة عن السلطة المركزية. ومع ترابط ملفات الأمن والاقتصاد والمياه والتجارة والوصول إلى البحر، بات مسار الأزمة الإثيوبية مؤثراً في استقرار القرن الإفريقي بأكمله، فيما ستظل قدرة الحكومة على احتواء التناقضات الداخلية وإعادة بناء مساحة سياسية واقتصادية مشتركة عاملاً محورياً في المرحلة المقبلة.



