تشاد - عبد الله الجابر ابكر
تشاد - عبد الله الجابر ابكر

مقالات مشابهة

تقرير ميداني

“غلوبال ووتش عربية” في مخيم اللاتشا للاجئين السودانيين شرقي تشاد: أحلام صغيرة في مواجهة كوابيس الحرب

تشاد - عبد الله الجابر ابكر
تشاد - عبد الله الجابر ابكر

هنا، على بُعد نحو 100 كيلومتر من مدينة أدرى الحدودية، في ولاية وداي شرقي تشاد، يحاول آلاف الأطفال السودانيين استعادة جزء من حياتهم التي مزقتها الحرب. فقد أجبرهم النزاع المسلح في السودان على ترك منازلهم ومدارسهم والعبور إلى الأراضي التشادية بحثًا عن الأمان.

في أحد الفصول الدراسية بمخيم اللاتشا للاجئين شرقي تشاد، يجلس أطفال سودانيون على مقاعد بسيطة، تتجه أنظارهم نحو السبورة، بينما تنتشر الدفاتر والأقلام أمامهم. يبدو المشهد للوهلة الأولى عاديًا، كأي فصل دراسي آخر، لكن خلف هذه الصورة حكايات عن الحرب والفقد والنزوح، وعن طفولة اضطرت إلى مواجهة واقع لم تختره.

يستضيف مخيم اللاتشا نحو 53,100 لاجئ سوداني، من بينهم 28,696 طفلًا، أي ما يزيد على 54% من إجمالي سكان المخيم، وفق التقارير الأممية.

بالنسبة إلى هؤلاء الأطفال، لا تمثل المدرسة مجرد مكان لتعلم القراءة والكتابة والحساب، بل مساحة لاستعادة شيء من الحياة الطبيعية، والتمسك بأحلام ظلت معلقة رغم قسوة الحرب. 

طفل يحلم بالطيران

داخل أحد الفصول الدراسية، يجلس مزمل زكريا عبد الله إدريس، البالغ من العمر 14 عامًا، محاولًا التركيز في دروسه. ترك خلفه في السودان مدرسته وحياة لم يكن يتوقع أن تنتهي بهذه الطريقة، ليجد نفسه في مخيم للاجئين، بعيدًا عن المكان الذي اعتاد أن يعيش فيه، لقد غيّر النزوح تفاصيل يومه، لكنه لم ينتزع منه حلمه. يريد مزمل أن يصبح كابتن طائرة، وأن يحلق يومًا في السماء، بعيدًا عن واقع فرضته الحرب على حياته وحياة أسرته.

قد يبدو هذا الحلم بعيد المنال في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها، إذ تتعدد الاحتياجات وتظل الإمكانات محدودة. لكن بالنسبة إلى مزمل، تبقى الدراسة الطريق الذي يمكن أن يقوده نحو المستقبل الذي يتطلع إليه.

GWA

 

بين ذكريات مدرسته التي تركها خلفه ومقاعد الدراسة التي يجلس عليها اليوم في مخيم اللاتشا، يحاول الطفل مواصلة رحلته التعليمية، وكأن العودة إلى الفصل الدراسي هي خطوته الأولى لاستعادة المسار الذي قطعته الحرب. 

الممرضة الصغيرة

في فصل آخر، تجلس نوادر إبراهيم آدم عبد الله، البالغة من العمر عشر سنوات، أمام كتبها، محاولة التركيز في الدرس. غير أن الحرب لا تزال حاضرة في ذاكرتها، رغم المسافة التي تفصلها اليوم عن المكان الذي شهد مأساتها.

تقول نوادر إنها فقدت جدها خلال الحرب. ولا تزال هذه الذكرى المؤلمة تترك أثرها في نفسها، حتى بعد رحلة النزوح إلى تشاد، حيث وجدت في المخيم قدرًا من الأمان، وإن ظل مستقبلها محاطًا بالكثير من التحديات. وعندما تتحدث عن حلمها بأن تصبح ممرضة، تبدو الدموع حاضرة في عينيها، وكأنها تستعيد بعضًا من تفاصيل ما عاشته خلال الحرب والنزوح.

ربما يحمل حلم نوادر معنى يتجاوز اختيار مهنة في المستقبل؛ فقد يكون محاولة لتحويل الألم إلى رغبة في مساعدة الآخرين، وأن تصبح يومًا شخصًا يخفف عن المرضى معاناتهم، بدلًا من أن تظل الحرب والفقد عنوانًا لذكرياتها.

قصة نوادر ليست استثناءً في مخيم اللاتشا. فبين الأطفال الذين وجدوا أنفسهم بعيدًا عن منازلهم ومدارسهم، تتكرر حكايات الفقد والانقطاع عن التعليم، فيما يحاول كل طفل التكيف مع حياة جديدة لم يخترها.

ومع أن هؤلاء الأطفال يشكلون أكثر من نصف سكان المخيم، فإن توفير فرص تعليمية مناسبة لهم يظل تحديًا يرتبط بتوافر الفصول الدراسية والمعلمين والمواد التعليمية والخدمات الأساسية. 

معلمون متطوعون

قبل اندلاع الحرب في السودان، كان حمزة آدم محمد يعقوب مديرًا لمؤسسة تعليمية في ولاية غرب دارفور. لكن اندلاع القتال في مدينة الجنينة قلب حياته رأسًا على عقب. يقول حمزة إنه غادر المدينة في 14 يونيو 2023، عند الساعة الرابعة مساءً، قبل أن يصل إلى تشاد صباح اليوم التالي.

هناك، وجد أطفالًا حُرموا من التعليم بسبب النزوح. بعضهم فقد والديه، وآخرون فقدوا أقاربهم، واضطروا جميعًا إلى ترك مدارسهم ومجتمعاتهم خلفهم. وأمام هذا الواقع، لم ينتظر حمزة طويلًا، بل قرر، مستندًا إلى خبرة تقارب 45 عامًا في مجال التدريس، أن يبدأ بما هو متاح من إمكانات، مهما كانت محدودة.

بدأ بتعليم الأطفال بصورة تطوعية، وكانت الدروس تُقام في البداية تحت الأشجار، في غياب الفصول المجهزة والمرافق الأساسية. لم تكن المبادرة سوى محاولة بسيطة، لكنها حملت رسالة واضحة: ألا تتحول الحرب والنزوح إلى سبب لحرمان الأطفال من حقهم في التعليم.

ومع مرور الوقت، أسهمت منظمات دولية في إنشاء فصول دراسية، وانتقلت العملية التعليمية تدريجيًا من المساحات المفتوحة تحت الأشجار إلى مدارس تستقبل أعدادًا متزايدة من التلاميذ.

ويقول حمزة إن المخيم يضم تسع مدارس ابتدائية، تستوعب نحو تسعة آلاف تلميذ وتلميذة، إلى جانب مؤسسات تعليمية للمرحلتين المتوسطة والثانوية، تضم مئات الطلاب.

GWA

لكن اتساع أعداد الملتحقين بالتعليم يفرض احتياجات إضافية، تشمل توفير الفصول والمقاعد والكتب والمواد التعليمية، فضلًا عن زيادة عدد المعلمين وتحسين ظروف عملهم.

ووفقًا لإفادة حمزة، يعتمد التعليم في هذه المدارس على عدد محدود من المعلمين، إذ لا يتجاوز عددهم سبعة معلمين، يعمل معظمهم بصورة تطوعية. وقد تدخلت منظمتا المجلس النرويجي للاجئين (NRC) و”كير” (CARE) لتقديم حوافز للمعلمين والمعلمات العاملين في هذه المدارس.

وتكشف هذه المعطيات عن حجم الجهود التي يبذلها العاملون في قطاع التعليم داخل المخيم، لكنها تبرز أيضًا الفجوة بين احتياجات الأطفال والإمكانات المتاحة لتلبية تلك الاحتياجات. فالمبادرات التطوعية يمكن أن تسهم في استمرار الدراسة، لكنها لا تكفي وحدها لضمان تعليم مستقر وشامل على المدى الطويل.

كثرة التلاميذ وشُحّ الإمكانيات

أمام الأطفال، يقف الطاهر يعقوب، وهو لاجئ سوداني ومعلم سابق من إقليم دارفور، محاولًا أداء رسالته التعليمية في ظروف تختلف كثيرًا عن تلك التي عرفها قبل النزوح.

فمهمته لا تنتهي بشرح الدرس أو الكتابة على السبورة. إنه يتعامل مع أطفال عاشوا تجربة النزوح، وفقد بعضهم أفرادًا من أسرهم، ويحمل آخرون ذكريات الحرب وما تركته من آثار نفسية.

يقول الطاهر إن أعداد الأطفال كبيرة مقارنة بالإمكانات المتاحة، مشيرًا إلى أن شح المياه يمثل إحدى الصعوبات التي تؤثر في الحياة اليومية داخل المخيم. ورغم هذه التحديات، يواصل المعلمون أداء عملهم، محاولين الحفاظ على انتظام الدروس وتوفير بيئة تساعد الأطفال على التعلم.

في مثل هذه الظروف، يمتد التحدي إلى توفير مساحة آمنة للأطفال، تمنحهم قدرًا من الاستقرار وتساعدهم على تجاوز آثار التجارب التي مروا بها. وهنا يبرز سؤال أساسي: كيف يمكن ضمان تعليم مستقر لأطفال يعيشون في بيئة لا تزال تعاني من عدم الاستقرار؟

ضغط على التعليم

لا تنفصل الصعوبات التي تواجه مدارس مخيم اللاتشا عن التحديات الأوسع التي يعيشها قطاع التعليم في تشاد، حيث أدى تدفق اللاجئين السودانيين إلى زيادة الضغط على المدارس والخدمات والموارد المتاحة في المناطق المستضيفة.

وبحسب نداء منظمة الأمم المتحدة للطفولة “اليونيسف” لعام 2026، يحتاج نحو 1.4 مليون طفل في سن الدراسة في تشاد إلى دعم تعليمي، بسبب النزوح واكتظاظ الفصول ونقص المعلمين والموارد.

ويبرز هذا الرقم حجم التحدي الذي تواجهه الجهات المعنية بتوفير التعليم، سواء للأطفال التشاديين الذين يعانون من نقص الخدمات التعليمية أو للأطفال اللاجئين الذين انقطعت دراستهم بسبب الحرب. فالضغط على المنظومة التعليمية في البلد المضيف يزيد وضع اللاجئين تعقيدًا، مع تزايد الحاجة إلى استيعاب الأطفال الذين اضطروا إلى مغادرة مناطقهم بسبب النزاع.

وفي مخيم اللاتشا، تتجسد هذه الأزمة في فصول محدودة الإمكانات، وأعداد كبيرة من التلاميذ، ومعلمين يحاولون سد الفجوات بما هو متاح.

GWA

ولا يتعلق الأمر بمجرد فتح أبواب المدارس، بل بضمان استمرار العملية التعليمية، وتوفير بيئة مناسبة للتعلم، ومياه وخدمات أساسية، إلى جانب دعم المعلمين الذين يتحملون مسؤولية تعليم هذا الجيل.

مساحة للاستقرار

داخل مخيم اللاتشا، تتجاوز أهمية المدرسة حدود الدروس والامتحانات. فهي مكان يلتقي فيه الأطفال بأقرانهم، ويتبادلون الحديث واللعب، ويجدون فرصة للابتعاد، ولو لساعات، عن ضغوط الحياة اليومية في المخيم. وبالنسبة إلى طفل عاش الحرب والنزوح، يمكن أن يشكل الانتظام في الدراسة جزءًا من روتين يومي يعيد إليه شيئًا من الشعور بالاستقرار.

لكن الحفاظ على هذه المساحة يتطلب أكثر من المبادرات الفردية. فالاكتظاظ ونقص الفصول والمواد التعليمية، إلى جانب محدودية الخدمات الأساسية، تجعل استمرار التعليم مهمة تحتاج إلى دعم مستمر وتنسيق بين الجهات المعنية.

كي لا يضيع مستقبل الأطفال

في مخيم اللاتشا، تتقاطع حكايات مختلفة حول هدف واحد: ألا تضيع سنوات الطفولة خلف جدران النزوح. تختلف أدوار الأطفال والمعلمين، لكن قصصهم تلتقي داخل الفصل الدراسي؛ حيث يسعى المعلمون إلى منع الحرب من أن تتحول إلى انقطاع دائم عن التعليم.

مع نهاية اليوم الدراسي، يغادر الأطفال مقاعدهم ويتجهون نحو أماكن إقامتهم داخل المخيم، حاملين دفاترهم وأقلامهم، وربما أحلامًا صغيرة يأملون أن تكبر معهم.

بالنسبة إلى مزمل، قد تقوده المدرسة يومًا إلى قمرة القيادة. وبالنسبة إلى نوادر، قد تفتح أمامها الطريق نحو مهنة تساعد بها المرضى. أما بالنسبة إلى المعلمين، فإن مواصلة الدروس تعني الدفاع عن حق جيل كامل في ألا تكون سنوات النزوح سنوات ضائعة.

لم يختر هؤلاء الأطفال الحرب، ولم يختاروا مغادرة منازلهم ومدارسهم. لكنهم يحاولون اليوم أن يختاروا مستقبلهم، من خلال التعلم والتمسك بأحلامهم.