بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

مساحة سياسية

دبلوماسية الساعات المحسوبة.. لماذا تحولت رحلة نتنياهو إلى نيويورك إلى زيارة خاطفة؟

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

يختبر بنيامين نتنياهو في نيويورك حدود المساحة السياسية التي يستطيع التحرك داخلها، أكثر مما يخوض جولة دبلوماسية تقليدية. حين تنكمش زيارة رئيس الحكومة الإسرائيلية إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى ساعات محدودة، وتتراجع معها اللقاءات والمحطات الجانبية، يصبح الاختصار نفسه جزءاً من الرسالة، لا مجرد تفصيل لوجستي.

تأتي الرحلة في لحظة تتداخل فيها الحسابات الأمنية مع الضغوط القانونية والسياسية، فيما تفرض الحرب والانتخابات الإسرائيلية والعلاقة مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عليها أكثر من مستوى الحساب. لذلك، من الواضح أن نيويورك لن تكون هذه المرة محطة ضمن جولة أمريكية أوسع، بل منصة واحدة يجري تركيز أكبر قدر ممكن من الثقل السياسي عليها.

المسألة، إذن، ليست في لماذا سيغادر نتنياهو سريعاً، وإنما لماذا تقلصت الرحلة إلى الحد الذي أصبحت فيه الساعات القليلة في نيويورك أكثر أهمية من أي برنامج كان يمكن أن يحيط بها.

رحلة أعيد تعريفها

تبدو المسألة أكثر من مجرد تقليص لبرنامج طويل، إنها هي إعادة صياغة لوظيفة الزيارة. فقد تقلصت المحطات التي كان يمكن أن تمنح نتنياهو مساحة للقاءات السياسية والاقتصادية داخل الولايات المتحدة، وبقيت الجمعية العامة للأمم المتحدة نقطة الارتكاز الأساسية، وأصبح الخطاب أمامها الأداة الرئيسة التي تحمل الموقف الإسرائيلي إلى الخارج، وتوفر في الوقت نفسه مادة سياسية قابلة للاستخدام داخل إسرائيل.

ويكتسب غياب ترامب عن جدول الزيارة أهمية خاصة. لا يعني ذلك وجود خلاف بين واشنطن وتل أبيب، ولا يثبت تغيراً في العلاقة بين الرجلين، لكنه يحرم نتنياهو من لقاء كان سيمنح الرحلة بُعداً أمريكياً مباشراً، ويجعل حضور الأمم المتحدة أكثر بروزاً في حساباتها السياسية.

الأمن يفرض الاختصار

تأتي الزيارة في مدينة تشهد خلال أسبوع الجمعية العامة واحداً من أكثر التجمعات السياسية والأمنية كثافة في العالم. وجود عشرات الوفود، وتشديد الإجراءات، والاحتجاجات المرتبطة بالحرب، كلها تجعل حركة رئيس الحكومة الإسرائيلية أكثر تعقيداً من زيارة عادية.

يمنح تقليص الإقامة والحركة الوفد الإسرائيلي مساحة أكبر للسيطرة على المسار الأمني للزيارة. فكل محطة إضافية تعني ترتيبات حماية جديدة، وكل انتقال يفتح مجالاً أوسع للاحتجاجات والتغطية الإعلامية والحشود.

وتزداد حساسية المشهد مع وصول نتنياهو إلى مدينة يحكمها زهران ممداني، الذي وصف رئيس الحكومة الإسرائيلية بـ”مجرم حرب ومهندس إبادة جماعية مروعة للشعب الفلسطيني”. كما تطرق إلى مذكرات التوقيف الصادرة بحقه عن المحكمة الجنائية الدولية، مشيراً إلى أن هذه القضية طُرحت خلال اجتماعه مع عمدة لاهاي: “إذا طالبت المحكمة الجنائية الدولية باعتقال شخص ما لانتهاكه هذه القوانين، فمن نحن لنقول إنه فوق القانون؟ أنا أؤمن إيماناً راسخاً بضرورة محاسبة الجميع”.

يدخل نتنياهو مدينة سيكون فيها الجدل حول إسرائيل والحرب حاضراً بقوة، بينما تلاحقه مذكرة توقيف أصبحت جزءاً من النقاش السياسي في عدد من العواصم الغربية، كما يُضيف وجودها بُعداً سياسياً إلى البيئة التي يتحرك فيها الوفد الإسرائيلي، لا في احتمال اعتقال نتنياهو نفسه داخل نيويورك، إذ إن هذا السيناريو لا يستند إلى صلاحية قانونية واضحة لدى سلطات المدينة.

الانتخابات تعيد صياغة الخطاب

تزداد قيمة الرحلة بالنسبة إلى نتنياهو بسبب توقيتها السياسي داخل إسرائيل، إذ يأتي الخطاب يأتي في مرحلة انتخابية، ما يمنحه جمهوراً مزدوجاً: الوفود الدولية من جهة، والجمهور الإسرائيلي من جهة أخرى.

وهذا يجعل الجمعية العامة أكثر من منصة للسياسة الخارجية. يستطيع نتنياهو من خلالها عرض مواقفه من الحرب وإيران والضغوط الدولية، ثم إعادة تقديمها أمام الناخب الإسرائيلي.

يمنح اختصار الزيارة الخطاب وزناً أكبر داخل هذا الحساب. فغياب البرنامج الواسع يترك مساحة أكبر للرسالة التي سيقدمها نتنياهو، من دون أن تتوزع الأضواء على سلسلة من اللقاءات والأنشطة الجانبية.

ولا يحتاج رئيس الحكومة الإسرائيلية في هذه الحالة إلى إنتاج عدد كبير من الصور السياسية؛ خطابٌ واحدٌ أمام منصة دولية بهذا الحجم يمكن أن يخدم هدفين في وقت واحد: مخاطبة الخارج وإعادة صياغة الرسالة أمام الداخل.

المنصة بدل الجولة

تأتي الزيارة في وقت تتقاطع فيه ملفات الحرب مع إيران وغزة، ومستقبل الترتيبات الإقليمية، ومستوى الدعم الأمريكي لإسرائيل، والضغوط الدولية على الحكومة الإسرائيلية.

لكن نتنياهو لا يملك السيطرة على البيئة التي سيتحدث فيها. يستطيع تحديد مضمون خطابه، لكنه لا يستطيع التحكم في ردود الوفود، أو الاحتجاجات، أو التغطية الإعلامية، أو النقاش السياسي والقانوني الذي سيحيط بحضوره. ولهذا تبدو الرحلة محاولة للتركيز على العناصر التي يمكن إدارتها، وترك أقل مساحة ممكنة للعوامل الخارجية التي يصعب التحكم فيها.

يصبح غياب ترامب جزءاً من هذه الصورة، لا باعتباره دليلاً على أزمة، وإنما لأنه يؤكد انتقال مركز الثقل من الاتصالات الثنائية إلى المنصة الدولية. وبدلاً من أن تكون نيويورك مساحة لجولة أمريكية واسعة، أصبحت بالنسبة إلى نتنياهو مساحة لإدارة خطاب سياسي واحد في توقيت بالغ الحساسية.

ساعات محسوبة ورسالة مركزة

في صورتها النهائية، تبدو زيارة نتنياهو إلى نيويورك أقرب إلى إعادة ترتيب للأولويات منها إلى جولة دبلوماسية مختصرة. فقد تراجعت المحطات الجانبية، وأصبح حضور الجمعية العامة هو العنصر الأكثر وضوحاً في البرنامج.

لكن قيمة الرحلة لن تتحدد بطول الإقامة، بل بقدرة نتنياهو على استخدام المنصة الدولية في لحظة تتقاطع فيها الحرب مع الانتخابات والضغوط القانونية والسياسية. وهذا ما يمنح “دبلوماسية الساعات المحسوبة” معناها الأوسع. الاختصار لا يلغي الوظيفة السياسية للزيارة، بل يعيد تركيزها. وكلما ضاقت مساحة الحركة، أصبحت الرسالة التي يحملها نتنياهو أكثر أهمية في تحديد أثر الرحلة.

لن تُقاس النتيجة بعدد اللقاءات التي لم تحدث، وإنما بمدى قدرة نتنياهو على تحويل حضوره المحدود في نيويورك إلى رسالة سياسية تصل إلى الخارج، وتحتفظ في الوقت نفسه بقيمتها داخل إسرائيل، في مرحلة تتقلص فيها مساحة المناورة وتزداد أهمية التحكم في الخطاب.