إنعام كجه جي
إنعام كجه جي
حديث الإثنين

الجالسون على الكراسي

إنعام كجه جي
إنعام كجه جي

متابعة أحوال السياسة في العالم تشبه التنجيم وفتح الفأل. لا استقرار في أي قارة. تنام على حدث عجيب وتصحو على ما هو أعجب. واقع يحيلني إلى كتاب قديم مررت عليه بسرعة ولم أجد الوقت لاستكماله. وها هو الصيف، فرصة للقراءة ونفض الغبار عما فات من كتب تعتّقت على الرف. ومنها هذا المطبوع اللذيذ المترجم إلى الفرنسية وعنوانه: “القوانين الأساسية للغباء البشري”. المؤلف هو كارلو شيبولا. مؤرخ اقتصادي إيطالي ذو شهرة عالمية.

يطرح الكتاب سؤالاً يصلح لواقعنا الراهن: لماذا يهيمن الحمقى على العالم؟ ولا داعي لتسمية المقصودين فهم معروفون في كل زمان ومكان. هناك حماقات تلد أخرى. فهذا الكتاب يستدعي من الذاكرة كتاباً يشبهه، كان قد صدر في عهد الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران بعنوان: “هؤلاء المرضى الذين يحكموننا”. بقي ميتران في الحكم دورتين رئاسيتين وكان مصاباً بالسرطان. وكان يطلب من طبيبه تزوير التقارير السنوية عن صحته. كل شيء “عال العال”.

المؤلف الإيطالي ليس جديداً في الساحة، فهو منشغل منذ عقود بتاريخ الحماقة السياسية. يتابع أثر الغباء البشري على مصائر الأفراد الشخصية. أي مصائر كل واحد وواحدة منا. يمكن لقرار حرب، تم اتخاذه في لحظة غضب وسوء تقدير، أن يدمّر مدناً ويشتت شمل عائلات. ينقل الملايين من أوطانهم وبيوتهم الآمنة إلى بلاد الله الواسعة، لاجئين أو منفيين. هذا إذا حالفهم الحظ وتجاوزهم قطار الموت.

في الكتاب رسوم كاريكاتيرية لا تقل إمتاعاً عن النصوص. هناك، مثلاً، صورة لرجل “جنتلمان”، يلبس بدلة أنيقة وربطة عنق، تطلّ قدمه من ياقة قميصه، بدل رأسه. رسم فكاهي أبلغ من أيّ ثرثرة. ولطالما كان الرسامون في منأى عن المصادرة والعقاب اللذين يتعرض لهما المحررون. يستطيع بيكاسو أن ينقل الشفتين من مكانهما في الوجه ويضعهما على الجبين. أو أن يرسم الوجه مكان القفا دون أن يتطوّع ناقدٌ انتهازي لتفسير اللوحة على أن الرسام يقصد فوضى النظام الحاكم وفقدان المقاييس. لكن النجاة من الملاحقة ليست القاعدة. وهناك استثناءات دفع فيها فنانو الكاريكاتير حياتهم ثمناً لرسم مُستفز.

البشر، في رأي المؤلف، أربعة أصناف. الأول هو الأبله الذي يخسر ويترك غيره يفوز. والثاني هو النصّاب الذي يتكسب مما يسرقه من الغير. والثالث هو الأحمق الذي يفعل كل ما في وسعه لكي يخسر الآخرون من دون أن يكسب لنفسه أي منفعة. ويبقى الصنف الرابع، وهو الذي يربح ويترك غيره يربح. ثلاثة حمقى وواحد سليم.

قد تكون الحماقة مغفورة لمن يشتغل بهلواناً في سيرك، أو وريثاً لثروة طائلة لا يعرف كيف يبددها، أو نجمة استعراض تعيش من الفضائح التي تسعى إليها لترفع من أعداد متابعيها. أما أن تتصدى لحكم الناس بالحماقة المتأصلة فيك فهذه هي الكارثة. والأعجب أن لكثير من الحمقى مستشارين ومساعدين ونواباً. ولأن هؤلاء يخشون فقدان امتيازاتهم، فمن النادر أن يصارح أحدهم الحاكم بخطل قراراته. ليس فيهم من سيشير إلى رب نعمته وثيابه المزعومة ويعلن: “الإمبراطور عارٍ”.

أقرأ وينشغل عقلي بتطبيق هذه النماذج على البلد الذي أعرف. ماذا يجري في ذلك الوطن؟ تركنا المقاليد للمتطرفين والجهلاء والفاسدين وساعدنا المحتلين في غيّهم. انتصر الغباء على المفهومية بالضربة القاضية. والعالم يتفرّج ويصفّق. تقع الضربات على رأس المواطن المسحوق. 

يصل الحمقى إلى الحكم شرقاً وغرباً. منهم من يتعلّم الحماقة بعد الجلوس على الكرسي. والدليل تفاقم الأزمات والنزاعات التي تلتهم الثروات وتأكل الأخضر واليابس. أما الأرواح التي تُزهق فتلك مما تقتضيه “الوطنية” و”القومية” و”الحقوق التاريخية” وباقي الشعارات. أعود إلى الموسوعة وأسأل عن صفات الحاكم في الإسلام. ويأتي الجواب بأن أبرز صفاته هي القوة والأمانة والكفاءة والعدل ومخافة الله. هناك أيضاً العلم والقدرة على فهم الأحكام. والنزاهة والرحمة والتواضع والرفق بالرعيّة وقضاء حوائجهم وعدم الاحتجاب عنهم. والأهم هو العقل. إذ لا تصح إمامة المجنون أو فاقد الوعي.

رأينا في أعمارنا المحدودة حكاماً ينام الواحد منهم ليستفيق ويغزو دولة مجاورة. أو ينام ويصحو ليعلن رغبته في ضم أرض من بلد بعيد إلى أراضيه. أو تأخذه الحماسة فيقرر تغيير اسم بحيرة وفق رغباته وبما يرضيه ويُشبع غروره.

تتمتع بالكتاب الذي يتناول الحكام الحمقى، وتبتهج بالرسوم لكنك تنتهي منه مثقل القلب. لا يمكن للقارئ أن يهرب من مصيدة المقارنات بين ما يقرأ وما يشاهد على الأرض وفي الوطن. سياسيون جاهلون خرَّبوا بلداً من قمح وتمر وأنهار وذهب أسود. أحالوه لوحة نموذجية للفشل. وسيلة إيضاح مدرسية في ألف باء التدمير.

إلى متى؟ وبلغة أهل البلاغة “إلامَ”؟