الجزائر - فتيحة بوروينة
الجزائر - فتيحة بوروينة

مقالات مشابهة

ثقافة

في رحيل سيد أحمد أقومي.. ذاكرة فنية عبرت الخشبة والشاشة والحدود أيضاً

الجزائر - فتيحة بوروينة
الجزائر - فتيحة بوروينة

فقدت الجزائر واحداً من ألمع الممثلين في العقود الأخيرة، وأحد الوجوه التي رافقت حركة المسرح والسينما والتلفزيون لسنوات، ولم تكتفِ بصناعة الأدوار، بل شاركت أيضاً في الحياة الثقافية من داخل مؤسساتها. إنه الفنان سيد أحمد أقومي، أو سيد أحمد مزيان، اسمه الحقيقي، الذي رحل عنا الأحد 20 سبتمبر/أيلول 2026.

ظل أقومي، منذ ستينيات القرن الماضي، حاضراً على الخشبة والسينما والتلفزيون، كما تولى مسؤوليات في مؤسسات ثقافية ومسرحية، قبل أن تأخذ تجربته لاحقاً بعداً عربياً وأوروبياً.

من الخشبة إلى إدارة المؤسسات الثقافية

بدأ أقومي مساره الفني في ستينيات القرن الماضي، إذ ارتبط اسمه بالمسرح الوطني، وتألق في مجموعة من الأدوار، وأغنى المشهد المسرحي الجزائري بعدد من المسرحيات، أبرزها: “أبناء القصبة” و”الجثة المطوقة” و”حسان طيرو” و”المرأة المتمردة”، و”حُمرة الفجر” و”الرجل ذو الصنادل المطاطية”، كما قدّم أعمالاً فنية للسينما والتلفزيون.

غير أن تجربته الفنية تجاوزت الأداء التمثيلي إلى العمل داخل المؤسسة الثقافية نفسها، عندما تولى إدارة عدد من دور الثقافة والمسرح في تيزي وزو وعنابة وقسنطينة، كما أُسندت إليه إدارة المسرح الوطني الجزائري سنة 1993، ما شكل تحولاً فارقاً في مساره، من فنان يقف على الخشبة ويتقمص الأدوار إلى فاعل يشارك في إدارة الفضاء الذي يحتضن التجارب الفنية وينتج فيه الثقافة.

الناقد بوزيان بن عاشور، في شهادته خلال الدورة السادسة عشرة للمهرجان الوطني للمسرح المحترف، وضع أقومي ضمن الجيل الثاني من الحركة المسرحية الجزائرية، مشيرًا إلى قدرته على الاشتغال بالعربية والفرنسية وعلى منح النصوص الأدبية روحاً أدائية خاصة. الشهادة تختصر خصوصية تجربة أقومي: ممثل قدير، لا تنفصل علاقته بالنص عن تكوينه الثقافي واللغوي.

من المسرح إلى السينما

إذا كان المسرح قد منح أقومي تكوينه الأول، فإن السينما وسّعت لاحقاً دائرة حضوره. ومن المحطات المبكرة في مساره السينمائي دوره في فيلم “زد” (Z) للمخرج العالمي كوستا غافراس، وهو إنتاج فرنسي-جزائري موثق في أرشيف المكتبة السينمائية الفرنسية. 

في فيلم السُّكرية مع نور الشريف

وقف أقومي في الفيلم إلى جانب قامات فنية فرنسية كبيرة من أمثال “إيف مونتان” و”جان لوي ترنتينيان” و”إيرين باباس”. ثم توالت مشاركاته في عدد من الأفلام الجزائرية، من بينها “الخارجون عن القانون” لتوفيق فارس، و”المنطقة المحظورة” لأحمد لعلام، و”بيضة وكحلة” لعبد الرحمن بوقرمّوح، و”الطاحونة” لأحمد راشدي.

ويُعد فيلم “الطاحونة”، من إخراج أحمد راشدي، علامة فارقة في مسيرة أقومي. فقد جمعه بعدد من الأسماء الجزائرية والعربية والأوروبية، من بينها الفنان المصري “عزت العلايلي” والفرنسي “جاك دوفيلو”، وغيرهم. ومن هنا تبرز أهمية أحمد راشدي في مسار أقومي، فالتعاون لم يكن مجرد محطة في فيلموغرافيا ممثل، وإنما شكل لقاء بين ممثل كان يرسخ حضوره السينمائي وأحد المخرجين الذين ساهموا في تأسيس السينما الجزائرية.

مع عبد القادر علولة

مسيرة أقومي لا تُقرأ فقط من خلال الأعمال التي حملت اسمه، وإنما أيضاً من خلال الفنانين الذين اشتغل معهم، ما يكشف موقعه المرموق في المشهد الفني وعلاقاته مع شبكة من الكتاب والمخرجين والمسرحيين الذين تركوا بصماتهم في تاريخ الثقافة الجزائرية. ومن بين أهم تلك الأسماء الكاتب والمخرج الراحل “عبد القادر علولة”، الذي شارك معه في مسرحيته الشهيرة “الأجواد”، بالإضافة إلى أعمال مسرحية أخرى، من بينها “الحجاب”.

وحتى بعد الرحيل المفجع لعلولة، ظهر سيد أحمد أقومي مجدداً في مسرحية “الأجواد” سنة 1995، في عرض قُدم ضمن مهرجان أفينيون في فرنسا، وهو عرض تكريمي للمخرج الذي اغتالته يد الإرهاب عام 1994 في ذروة ما سمي  بـ”العشرية السوداء”، لتصبح مشاركة أقومي في العمل استمرارًا لحضور علولة على الخشبة، رغم رحيله.

إلى جانب علولة، جمعت أقومي بالفنان والمخرج المسرحي والمؤلف والروائي سليمان بن عيسى، أعمال عدة باللغة الفرنسية، من بينها ” أنبياء بلا إله” عام 1998، و”المستقبل المنسي” (1999)، و”ذكريات تائهة” (2002). كما شارك الراحل في مسرحية “نجمة” المقتبسة من رواية كاتب ياسين، من توقيع المخرج زياني الشريف عياد، والتي حققت جولات فنية ناجحة بين باريس ومرسيليا وفيلوربان. 

في مهرجان الفيلم العربي – وهران

بالإضافة إلى هذه الأعمال، شارك أقومي في عروض من المسرح العالمي، من تأليف شكسبير وموليير وغوغول وكولتيس، وآخرين. 

الرحيل إلى فرنسا

في سياق الأحداث الدامية التي عرفتها الجزائر خلال في ما عُرف بـ”العشرية السوداء”، اضطرّ أقومي إلى مغادرة الجزائر في 31 مارس/آذار 1994، على خلفية اغتيال عبد القادر علولة وعدد من المثقفين والفنانين. 

كانت فرنسا بالنسبة إليه “بلد ثقافته الأخرى” مثلما ظلَّ يردد في عدد من تصريحاته وحواراته، ما يعكس ازدواجاً ثقافياً ظل حاضراً في مساره. هكذا واصل أقومي العمل في المسرح الفرنسي، وفي الوقت نفسه حمل معه نصوصاً وشخصيات وذاكرة ثقافية جزائرية وعربية، سواء في مسرحية “قلادة الحيل” المقتبسة من نصوص بديع الزمان الهمذاني، و”الأجواد” لعلولة أو “العودة إلى الصحراء” لبرنار ماري كولتيس، ناهيك عن أعمال سليمان بن عيسى، كما شارك في قراءات لنصوص جان سيناك، ومولود فرعون، ورشيد ميموني، وبن عمار مدين وكاتب ياسين.

على سبيل التكريم

بالإضافة إلى تجربته الفرنسية، شارك أقومي في أعمال مغاربية، من بينها “ليلى.. ما لي” للمخرج التونسي الطيب الوحيشي، و”قائلو الحقيقة” للمخرج كريم ترايديا سنة 2000، حيث أدى دور صحفي، ونال عنه جائزة الأداء الرجالي ضمن مهرجان فالنسيا.

كما واصل حضوره في السينما الفرنسية والمغاربية عبر أعمال مثل “الضفة الأخرى من البحر” لدومينيك كابريرا، و”ذات مرة في الوادي” للمخرج جمال بن صالح، إلى جانب أعمال أخرى أعطت لمسيرته بعداً دولياً.

عام 2023، اختارت الدورة السادسة عشرة للمهرجان الوطني للمسرح المحترف تكريم سيد أحمد أقومي عن مجمل مسيرته الفنية، كما كُرّم سنة 2025 في الدورة الثالثة عشرة لمهرجان وهران الدولي للفيلم العربي.