في شمال شرقي أرمينيا، حيث تضيق الطرق بين الجبال وتصبح الأشجار أعلى من الكلام، تستريح مدينة صغيرة في حضن الغابات، كأنها اختارت أن تبقى بعيدة عن ضجيج العالم. هناك، حين يهبط الضباب فوق الوادي ويختفي نصف المشهد وراء ستار أبيض، تبدأ حكاية ديليجان، المدينة التي تقول أسطورتها إن اسمها وُلد من نداء أم تبحث عن ابنها بين الأشجار.
“ديلي جان… ديلي جان”، أي: “عزيزي ديلي”.
تروي الحكاية الشعبية أن ديلي كان راعياً فقيراً أحب ابنة أحد الأعيان، وأن الحب، كما يحدث كثيراً حين تتدخل السلطة في القصص، لم ينته على نحوٍ جيد. قُتل الشاب، وخرجت أمه تبحث عنه في الغابات، تنادي باسمه، حتى حفظ الوادي نداءها ونسي بقية الحكاية.
لا تثبت هذه الرواية الأصل التاريخي لاسم المدينة، لكنها تمنح المكان حكاية يتداخل فيها الحب والفقد مع الغابة، ويصبح فيها النداء اسماً يبقى بعد رحيل أصحابه.
لكن بعض المدن تستحق الأسطورة التي اجترحتها لنفسها، حتى لو لم يصدقها المؤرخون. وديليجان واحدة منها؛ مدينة يبدو اسمها كأنه نداء يتردد بين الجبال منذ زمن سحيق، ثم نسي كيف يتوقف.
مدينة تتنفس الغابة
تقع ديليجان في مقاطعة تافوش، على مسافة نحو مئة كيلومتر من العاصمة يريفان، وسط وادي نهر أغستيف، وتحيط بها جبال القوقاز الصغرى وغابات كثيفة من الزان والبلوط وأشجار أخرى تغطي السفوح.
هنا، للتراب المبلل بالندى رائحة، وللخشب العتيق رائحة، وحتى المطر رائحة توحي بأن لصوته عطراً. خرير الماء يطغى على ضجيج الطرق، والبيوت الحجرية تتكئ بسلام على شرفاتها الخشبية، فيما تتسلل الدروب بين الأشجار كأنها تبحث عن مكان لم تكتشفه الخرائط والأقمار الاصطناعية المعلقة في الفضاء.
وفي شارع شارامبيان، الذي يستعيد ملامح العمارة الأرمنية التقليدية، تحتفظ المدينة بجانب من هويتها القديمة: واجهات حجرية، وشرفات خشبية مزخرفة، وورش للحرف اليدوية، ومعارض صغيرة تعرض أعمال الفنانين المحليين. هنا تعيش الثقافة في تفاصيل البيوت والأبواب والأشياء التي تصنعها الأيدي، لا في المتاحف وحدها.
وخارج الأحياء السكنية، تتسع الغابات حتى تكاد تبتلع المدينة. يحتضن متنزه ديليجان الوطني مساحات واسعة من الطبيعة الجبلية، تتخللها الممرات والينابيع والبحيرات الصغيرة، وأشهرها بحيرة بارز، التي يعني اسمها بالأرمنية “الصافية”.
على سطح البحيرة تنعكس الأشجار والجبال والغيوم العابرة، حتى يصعب أحياناً التمييز بين الغابة وصورتها في الماء. وفي الخريف، تتحول السفوح إلى تدرجات من الأصفر والنحاسي والأحمر، بينما يكسو الثلج قمم الأشجار شتاءً، وتعيد الأمطار والينابيع إلى الطبيعة خضرتها في الربيع.
هذه الطبيعة منحت ديليجان مكانتها بوصفها إحدى أبرز وجهات الاستجمام والمشي في أرمينيا، لكنها ليست وحدها ما يميز المدينة.
حين يحفظ الحجر الذاكرة
وراء الغابات تاريخ أقدم من المدينة الحديثة، ارتبط بممالك أرمينية وتعاقب القوى التي حكمت المنطقة. فقد عرفت أرمينيا فترات من الاستقلال والقوة، وبلغت في عهد تيغران الكبير، خلال القرن الأول قبل الميلاد، اتساعاً امتد من بحر قزوين إلى البحر المتوسط، قبل أن تتبدل حدودها مراراً مع صعود الإمبراطوريات وسقوطها.
وفي هذه الجغرافيا المضطربة أصبحت الكنيسة والأبجدية والمخطوطات أكثر من عناصر دينية وثقافية؛ إذ تحولت إلى وسائل لحفظ الهوية في فترات غياب الدولة. ومن أبرز شواهد ذلك دير هاغارتسين، المختبئ بين غابات ديليجان، والذي تعود أهم مبانيه إلى القرون الوسطى.
الطريق إلى الدير يخترق الغابة حتى يبدو المبنى كأنه لم يُبنَ هناك، بل نبت بين الأشجار. حجارة عمرها قرون تتوسط خضرة طازجة كل صباح. وفي المشهد مفارقة أرمينية خالصة: الطبيعة تتجدد بلا ذاكرة، والحجر يتذكر كل شيء.
لم تكن الأديرة الأرمنية أماكن للصلاة وحدها، بل مدارس ومكتبات ومراكز للتدوين والنسخ والمعرفة. وبينما كانت السلطات تتبدل خارج جدرانها، واصل الرهبان نسخ الكتب وحفظ المخطوطات باللغة الأرمنية. وكأنهم كانوا ينسخون أرمينيا كي لا تضيع. وحتى حين أراد الأرمن أن يتركوا للذاكرة أثراً مرئياً، اختاروا الحجر. نحتوا فيه “الخاتشكار”، وهو صليب حجري تحيط به الزخارف النباتية والهندسية ورموز الشمس والأبدية، حتى تحولت الحجارة الصامتة إلى شواهد على الإيمان والذاكرة والهوية.
ولكل خاتشكار زخارفه وتفاصيله التي تميزه، كأن لكل حجر طريقته الخاصة في قول: كنا هنا. وقد أدرجت اليونسكو فن صناعة هذه الصلبان الحجرية ورمزيتها على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية عام 2010.
وعلى مقربة من ديليجان، يقف دير غوشافانك شاهداً آخر على ذلك التراث، وهو دير ارتبط بالعالم والمفكر الأرمني مخيتار غوش، ويضم نماذج متميزة من فن النحت الحجري الأرمني.
ديليجان.. الموسيقى والعزلة
لديليجان تاريخ ثقافي أحدث، ارتبط بالفنون والموسيقى منذ الحقبة السوفيتية، حين تطورت إلى منتجع للاستشفاء والاستراحة، ثم تحولت إلى ملتقى للملحنين والكُتّاب والفنانين.
كان إنشاء بيت إبداع الملحنين في القرن العشرين محطة مهمة في هذه المسيرة. فقد قصد المدينة موسيقيون بارزون، بينهم آرام خاتشاتوريان وديمتري شوستاكوفيتش، الذي عمل فيها على رباعيته الوترية التاسعة.
الغابات التي احتضنت الرهبان ونسّاخ المخطوطات قبل قرون، أصبحت تمنح الموسيقيين العزلة اللازمة للبحث عن ألحانهم. وفي هذا التعاقب، تبدو الغابة خيطاً يصل بين عصور مختلفة من التأمل والإبداع.
واليوم، تجمع ديليجان بين الطبيعة المحمية والعمارة التقليدية والأديرة التاريخية والحياة الثقافية، فيما تمنحها المقاهي الصغيرة والممرات الحجرية والشرفات الخشبية إيقاعاً هادئاً لا يشبه صخب المدن الكبرى.
ومع حلول المساء، تخفت الحركة في الأزقة، وتتسلل الأضواء الصفراء من نوافذ البيوت، فيما تبدأ الغابة من حيث تنتهي المباني، وتمتد بعيداً في الأفق الرمادي.
أسطورة الأم التي صارت ذاكرة المدينة
تعاقب على هذه الأرض ملوك ورهبان وجيوش وشعراء وملحنون ومسافرون. تبدلت الأسماء والحدود، ونامت حكايات كثيرة تحت التراب.
رحل العابرون، وبقيت الأشجار والأنهار. وبقيت أيضاً حكاية الأم التي كانت تهيم في الغابة منادية ابنها:
“ديلي جان… ديلي جان”.
ربما لم يوجد ديلي أصلاً. لكن بعض الأساطير ليست مطالبة بأن تثبت نفسها كي تقول شيئاً عن المكان وأهله.
وفي ديليجان، تبدو الحكاية جزءاً من هوية المدينة، حيث تتجاور الغابة مع الدير، والأسطورة مع التاريخ، والحجر مع الموسيقى، في مشهد يحتفظ بطبيعته وذاكرته معاً.















