مصر - عمرو فاروق
مصر - عمرو فاروق

مقالات مشابهة

أجندات دينية (1-5)

السلفية السائلة.. بين التحولات الفكرية والإرث الجهادي في صعيد مصر

مصر - عمرو فاروق
مصر - عمرو فاروق

أثار منشور مدرسة “نجع سعيد” الإعدادية في قنا بصعيد مصر، جدلاً على منصات التواصل الاجتماعي، بعدما تضمن ما اعتبر إلزاماً للطالبات بارتداء النقاب ضمن الزي المدرسي، ما دفع وزارة التربية إلى نفي الواقعة واعتبارها غير رسمية، مع إحالة المسؤولين عن ذلك للتحقيق، وشددت على التزام جميع المدارس في مصر بتطبيق القرار الوزاري رقم 167 لسنة 2023، بشأن مواصفات الزي المدرسي الموحد للطلاب في المدارس الرسمية والخاصة.

إجبار طالبات صعيد مصر على ارتداء النقاب يدخل في إطار التحولات التي تشهدها الساحة المصرية، عقب تمدد تيارات السلفية السائلة أو التقليدية، فضلاً عن الانتشار الواسع للدعوة السلفية التي يقودها الشيخ ياسر برهامي، وذراعها السياسية المتمثلة في حزب “النور”.

ذلك ما يشير إليه الباحث محمد أبو رمان في دراسته “السلفيون في مصر: بين الدعوة والسياسة”، الصادرة عن مؤسسة “فريدريش إيبرت” عام 2013، حين يعتبر أن السلفية تُنتج نمطاً من التدين يُعلي من الانضباط الظاهري ويضعف من روابط التعدد والتنوع داخل المجتمع، وهو ما يؤدي إلى انغلاق الأفراد داخل دوائر فكرية متشددة تقطعهم عن التيار العام وتضعف قدرتهم على التفاعل الاجتماعي. 

أنماط فكرية متنوعة

يحتل صعيد مصر موقعاً استثنائياً في الدراسات المخصصة للجماعات الأصولية عموماً، والتيارات السلفية خصوصاً، ليس فقط بسبب الامتداد الجغرافي لمحافظاته، من بني سويف شمالاً إلى أسوان جنوباً، وإنما بسبب خصوصية البيئة الاجتماعية والثقافية، التي ساهمت عبر مراحل تاريخية مختلفة، في خلق أنماط فكرية متنوعة من النشاط الديني، ما بين الدعوة السلفية، أو السلفية العلمية والحركية، أو السلفية المدخلية، أو تيار التبليغ والدعوة، بجانب بقايا “الجبهة السلفية” التي أسسها الملاحَقين قضائياً خالد سعيد وأحمد مولانا، وتنشط من خارج مصر. 

عرفت محافظات صعيد مصر (مثل أسيوط، وسوهاج، والمنيا، وقنا، وأسوان، وبني سويف، والفيوم) نوعاً من التمركز الكثيف لتيارات الإسلام الحركي، ما جعلها تصوت بكثافة لصالح مرشح جماعة “الإخوان المسلمين” محمد مرسي في الانتخابات الرئاسية عام 2012، بنسبة تراوحت بين 55% و70% من الأصوات الصحيحة، بحسب لجان الفرز والنتائج الموازية والرسمية. 

السلفية السائلة

الحديث عن “السلفية السائلة في صعيد مصر” يحتاج منذ البداية إلى قدر كبير من الدقة، لا سيما أن هذه المنطقة الجغرافية شهدت حضوراً تاريخياً لجماعة “الإخوان”، و”الجماعة الإسلامية”، وتنظيمات “الجهاد”، إلى جانب الطرق الصوفية، التي مثلت صماماً لتحجيم نشاط هذه التيارات وهيمنتها الكاملة على الساحة، لا سيما في ظل فتح الباب أمام نشر المذهب الأشعري في مواجهة المذهب السلفي الوهابي من قبل المؤسسات الرسمية.

لم تكن محافظات صعيد مصر بعيدة عن عمليات العنف المسلح، التي نفذتها “الجماعة الإسلامية” في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، وعلى رأسها محاصرة مديرية أمن أسيوط، ومذبحة الأقصر عام 1997، التي راح ضحيتها 58 سائحاً، فضلاً عن إشعال ملف الفتنة الطائفية، وكذلك عمليات العنف التي تم تنفيذها خلال السنوات العشر الأخيرة، سواء على يد تنظيمات السلفية الجهادية مثل “المرابطون”، أو المعسكرات التي أسستها اللجان النوعية الإخوانية المسلحة.

تختلف بنية النشاط الديني في الصعيد عن القاهرة ومناطق الدلتا؛ فالمجتمع الصعيدي ظل لفترات طويلة أكثر اعتماداً على شبكات العائلة والقبيلة والقرية، كعناصر مؤثرة في تشكيل المجال الاجتماعي، وقد انعكس ذلك على طبيعة انتشار التيارات الدينية، إذ لم يكن الانتشار يعتمد دائماً على الإطار التنظيمي، وإنما على العلاقات الاجتماعية والعائلية، من خلال حلقات الدروس الدينية في المساجد والجامعات الحكومية والمدارس التعليمية، والساحات والمضايف والجمعيات الخيرية، ثم لاحقاً من خلال الفضاء الرقمي.

D.R

دراسة السلفية في الصعيد المصري لا يمكن فصلها عن التاريخ الأوسع للإسلام الحركي، خصوصاً في الفترة التي شهدت تحول الجماعات الدينية الطلابية إلى كيانات أكثر تنظيماً وتسليحاً، إذ برزت الجامعات الحكومية، مثل جامعة أسيوط والمنيا وسوهاج وقنا، باعتبارها إحدى البيئات المهمة التي شهدت صعود تيارات الإسلام السياسي في سبعينيات القرن الماضي، وكانت منطلقاً في تحولها إلى ساحة للصراع بين الدولة وجماعات العنف المسلح. 

التحولات السلفية والبراغماتيون

عقب أحداث يناير/كانون الثاني 2011، شهدت محافظات صعيد مصر تحولاً نحو السلفية التقليدية، في امتداد للمسار التاريخي الطويل من التفاعل بين التدين الشعبي، والجماعات الأصولية المتشددة، والظروف الاجتماعية والاقتصادية التي شكلت وعي المجتمعات المحلية في هذه المنطقة الجغرافية، خاصة في ظل التحولات التي طرأت على التيارات السلفية، والاتجاه نحو الممارسة السياسية تحت لافتة الأحزاب ذات المرجعية الدينية، مثل حزب “الوطن”، وحزب “البناء والتنمية” التابع للجماعة الإسلامية، وحزب “النور” التابع للدعوة السلفية، وحزب “الأصالة”، وحزب “الفضيلة”، بجانب انتشار تيارات سلفية مثل “حازمون”، و”التيار السلفي العام”، و”الجبهة السلفية”، و”سلفيو كوستا”، التي أحدثت تغييراً جزئياً في تركيبة الحركة السلفية التقليدية، خاصة بعدما تم توظيف بعضها في التحريض على التظاهر من أجل “تطبيق الشريعة الإسلامية”، وكذلك في الاحتجاجات التي أعقبت سقوط حكم محمد مرسي وجماعته في يونيو/حزيران 2013.

في دراسته المعنونة بـ”مصر: السلفيون البراغماتيون”، ينكب الباحث الفرنسي المتخصص في الإسلام السياسي، ستيفان لاكروا، على رصد تحولات التيارات السلفية، على مستوى الخطاب السياسي والديني، ويعتبر أن حزب “النور” يقدم أنموذجاً نادراً لحزب شديد البراغماتية في مواقفه السياسية، متشدد للغاية في آرائه الدينية، وقد ظهر التوازن بين هاتين السمتين عبر التغيرات التي طرأت على قيادته، فلم يكن توافق السلفيين الشكلي مع الآليات الديمقراطية والإجرائية، مثل القبول بشرعية صناديق الاقتراع، نتيجة لمراجعات فكرية جادة وواقعية، بقدر ما كان حالة من التهافت والانتهازية. 

الجذور التاريخية

منذ النصف الأول من القرن العشرين، شهدت مصر ظهور جمعيات دعوية ذات مرجعيات سلفية، من بينها “الجمعية الشرعية” التي تأسست عام 1912، وجمعية “أنصار السنة المحمدية” التي رأت النور عام 1926، ثم تطورت الخريطة السلفية خلال العقود اللاحقة، لتضم تيارات دعوية واجتماعية وسياسية متعددة، ولم يكن هذا الحضور متساوياً بين المحافظات، كما أن التيارات السلفية لم تكن تياراً واحداً متجانساً، بل شملت داخلها مدارس واتجاهات مختلفة في علاقتها بالدولة والمجتمع.

وارتبط انتشار التيارات السلفية المعاصرة بانتشار الجمعيات الخيرية، والدروس المسجدية، والمطبوعات التي قدمت خطاباً يركز على “نقد السلوك العام للمسلمين”، ونقد الممارسات الدينية الشعبية، والدعوة إلى الالتزام بما اعتبرته تلك التيارات -وفق منطلقاتها الفكرية- فهماً صحيحاً للقرآن والسنة.

غير أن صعيد مصر لم يكن مجرد مساحة لاستقبال الأفكار الوافدة من القاهرة أو الإسكندرية؛ فقد امتلك تقاليد دينية واجتماعية محلية، وجمعيات دينية مثل “الجمعيات الشرعية” و”أنصار السنة المحمدية”، وشبكات من العلماء والأسر ذات المكانة الدينية، فضلاً عن انتشار المعاهد الدينية الأزهرية التي وقعت تحت سيطرة التيارات السلفية.

وقد لعب العمل الخيري دوراً محورياً في تمدد التيارات السلفية بين الأوساط الشعبية في محافظات صعيد مصر، خصوصاً في المناطق الفقيرة والمهمشة، إذ تم تأسيس شبكة واسعة من الجمعيات الخيرية والمراكز الطبية والتعليمية، ما مكّنها من الوصول المباشر إلى شريحة واسعة من المجتمع المصري، خارج قنوات الدولة الرسمية، بهدف بناء ما يعرف بـ”الولاء الاقتصادي”، ومنه إلى “الولاء والبراء العقائدي”. 

تمدد النفوذ السلفي في المجتمع الصعيدي

الباحث هشام جعفر في كتابه “الصراع على روح الإسلام في المنطقة العربية”، يشير إلى أن “العمل الخيري السلفي هو مشروع لإعادة هندسة المجتمع من الأسفل، حيث تُقدّم المساعدات كطُعم دعوي، وتُستخدم لإعادة صياغة وعي الناس الديني، وترويضهم اجتماعياً لصالح خطاب محافظ ومتزمت”.

بذلك، فإن واقعة مدرسة “نجع سعيد” في قنا، حتى مع نفي وزارة التربية والتعليم وإحالة المسؤولين إلى التحقيق، لا تبدو مجرد جدل عابر حول الزي المدرسي، بل تعيد طرح السؤال الأوسع: إلى أي مدى استطاعت التيارات السلفية، عبر امتداداتها الدعوية والاجتماعية وشبكاتها المحلية، التأثير في أنماط التدين والسلوك داخل المجتمع الصعيدي؟ 

وبينما لا تكفي واقعة واحدة لإثبات نفوذ مباشر لتيار بعينه، فإن محاولة فرض النقاب داخل مؤسسة تعليمية تكشف حساسية الحدود بين التدين الخاص والمجال العام، وتضع الدولة أمام اختبار الحفاظ على المدرسة كفضاء مدني تحكمه القوانين، لا الأعراف أو الأجندات الدينية المتغيرة.