يعيد “الإخوان المسلمون” تشكيل أدوات حضورهم في أوروبا تحت ضغط أمني وسياسي وقانوني متزايد، منتقلين من نموذج تنظيمي يعتمد على الهرمية والانضباط الداخلي إلى بنية أكثر مرونة تتوزع فيها الأدوار بين أفراد ومؤسسات وواجهات متعددة. ولم يعد الحفاظ على التنظيم يتطلب بالضرورة بقاء الهيكل القديم، بل أصبح ممكناً عبر تفكيك مظاهره الأكثر وضوحاً، مع الإبقاء على شبكات العلاقات والتأثير التي تمنحه القدرة على الاستمرار.
فرضت الضغوط المتراكمة على التنظيم في الشرق، إلى جانب التدقيق الأوروبي المتصاعد، إعادة النظر في العلاقة بين الظهور العلني والعمل الداخلي. ومع تراجع قيمة القيادة المركزية كمرجع وحيد للقرار، برز نموذج أكثر اعتماداً على الوسطاء والمنسقين الذين يتحركون بين المؤسسات الأهلية والحقوقية والبحثية والسياسية. وهكذا يصبح النفوذ موزعاً على مساحات متعددة بدلاً من تركيزه داخل جهاز واحد يسهل تحديده ومراقبته.
تفكيك الهرمية القديمة
تكمن أهمية هذا التحول في أن التنظيم الهرمي يترك أثراً يمكن تتبعه: قيادة، مسؤولون، فروع، أعضاء، ومسارات واضحة للتواصل. أما الشبكة اللامركزية فتعمل بطريقة مختلفة؛ إذ يمكن أن تتقاطع الشخصيات والمؤسسات في الأهداف والمصالح من دون أن تظهر بينها علاقة تنظيمية مباشرة.
ولا يعني ذلك أن كل مؤسسة إسلامية أو حقوقية في أوروبا مرتبطة بالإخوان المسلمين، ولا أن كل ناشط مسلم يتحرك وفق أجندة الجماعة. لكن التقارير الأوروبية الأخيرة دفعت إلى التركيز على نمط أكثر تعقيداً من العمل، يقوم على تعدد الكيانات وتوزيع الوظائف بدلاً من الاعتماد على مؤسسة واحدة تحمل الاسم والهوية نفسيهما، ما يمنح الحركة هامشاً أوسع للمناورة. فإذا تعرض أحد المكونات للرقابة أو فقد قدرته على العمل، فإن ذلك لا يعني بالضرورة انهيار بقية الشبكة.
تفرض البيئة الأوروبية أيضاً تغييراً في طريقة إدارة الموارد. فكلما ازداد التدقيق في التحويلات الخارجية وتمويل الجمعيات، ازدادت أهمية الموارد المحلية والأصول والمؤسسات القادرة على توليد دخل مستقل.
لا تكفي المعطيات العلنية المتاحة للقول بوجود خطة مالية موحدة لدى “الإخوان المسلمين” في أوروبا لنقل الأموال إلى قطاعات محددة مثل العقارات أو التكنولوجيا. لكن المنطق المؤسسي واضح: تنويع الموارد يقلل الاعتماد على قناة واحدة ويجعل استهداف الشبكة مالياً أكثر تعقيداً.
تصبح المؤسسات التجارية والخدمية والأصول الاستثمارية، عندما توجد، مختلفة جذرياً عن الحسابات المرتبطة مباشرة بجمعية أو تنظيم سياسي. المسألة لا تتعلق فقط بحجم المال، وإنما بموقعه داخل منظومة النفوذ وقدرته على الاستمرار بعيداً عن القنوات الأكثر وضوحاً.
الخطاب يعيد إنتاج الشرعية
ينعكس التحول التنظيمي على الخطاب أيضاً. الشعارات التي ارتبطت تاريخياً بمشروع الإسلام السياسي لم تعد الأكثر فاعلية داخل المجتمعات الأوروبية. في المقابل، يكتسب خطاب الحقوق والمواطنة ومكافحة التمييز والإسلاموفوبيا وزناً أكبر في المجال العام.
المشكلة ليست في هذه القضايا بحد ذاتها، بل في إمكانية تحويلها إلى أدوات لاحتكار تمثيل المسلمين والتحدث باسمهم أمام الحكومات والأحزاب والمؤسسات الأوروبية. وكلما نجحت جهة ما في تقديم نفسها بوصفها الممثل الطبيعي للجالية، تحولت من فاعل اجتماعي إلى وسيط سياسي.
تفتح هذه المساحة الباب أمام تحالفات مرحلية مع قوى يسارية ومدنية وحقوقية. ولا يحتاج هذا النوع من التحالفات إلى تطابق فكري؛ يكفي وجود مصلحة مشتركة في ملف محدد. بهذه الطريقة يمكن لشبكة ذات خلفية إسلامية أن توسع حضورها خارج حدود قاعدتها الاجتماعية المباشرة.
أوروبا تغير أدوات المواجهة
بدأت الحكومات الأوروبية تتعامل مع هذه الظاهرة باعتبارها أوسع من مسألة العنف المباشر، ففي فرنسا، دفع التقرير الحكومي الصادر في مايو/أيار 2025 حول “الإخوان المسلمين” والإسلام السياسي إلى نقاش رسمي حول طبيعة الشبكات المرتبطة بالجماعة وأدوات تمددها داخل المجتمع.
وتزامن ذلك مع نقاش أوروبي حول التمويل والعلاقات المؤسسية والنفوذ السياسي. وفي العام الجاري اتسع الجدل داخل البرلمان الأوروبي حول إمكان اتخاذ إجراءات أكثر تشدداً تجاه الجماعة، بما في ذلك مقترحات تتعلق بإدراجها على قائمة الاتحاد الأوروبي للمنظمات الإرهابية.
لكن التحول الأهم لا يتعلق بتشديد القوانين وحده. المواجهة أصبحت تدور حول القدرة على التمييز بين المؤسسة المستقلة والشبكة التي تستخدم تعدد المؤسسات لتوزيع وظائفها. وهذا يجعل العمل الاستخباري والمالي والقانوني أكثر أهمية من مجرد مراقبة التنظيمات المعلنة.
الرهان على جيل جديد
يضع هذا المسار الجيل الجديد في قلب استراتيجية البقاء. الشاب الذي ولد في أوروبا ويتحدث لغة بلده ويعرف مؤسساتها القانونية والسياسية لا يحتاج إلى إعادة إنتاج لغة التنظيم القديمة كي يحمل أفكاره إلى المجال العام.
يمكن لهذا الجيل أن يتحرك داخل الجامعات، ومراكز الأبحاث، والمنظمات المدنية، والمؤسسات الحقوقية، والإعلام والمنصات الرقمية، مستفيداً من أدوات المجتمع الأوروبي نفسه. وهنا يصبح الفصل بين الهوية الاجتماعية والنشاط الأيديولوجي أكثر تعقيداً، لأن التأثير لا يأتي بالضرورة من خطاب عقائدي مباشر، وإنما من تراكم طويل داخل المؤسسات.
لم تعد معركة أوروبا مع “الإخوان المسلمين” مرتبطة فقط بالسؤال عن وجود تنظيم مركزي يمكن تفكيكه، بل بقدرة شبكة واسعة على إعادة توزيع وظائفه بحيث يستمر تأثيره حتى مع تراجع الهيكل التقليدي. فالمعادلة الجديدة تقوم على البقاء عبر التكيف: قيادة أقل ظهوراً، مؤسسات أكثر استقلالاً، موارد أكثر تنوعاً، وخطاب قادر على التحرك داخل القواعد القانونية والسياسية للمجتمع الأوروبي. وفي هذه البيئة، قد لا يكون اختفاء التنظيم من المشهد علامة على نهايته، لكنه قد يكون دليلاً على تغير الطريقة التي يعمل بها.















