إنعام كجه جي
إنعام كجه جي
حديث الإثنين

أين غادة السمّان؟

إنعام كجه جي
إنعام كجه جي

كنت أتحدث مع شاب تونسي يعمل في الصحافة، وورد اسم غادة السمّان في الحديث. فوجئت به يسألني: من تكون؟ أعرف أن جيلي يسبق جيله، لكنني غير قادرة على تقبّل فكرة القطيعة بين الأجيال. هل من المعقول ألا يعرف شبابنا وشاباتنا أسماء مثل عبد الرحمن منيف وحنا مينا وغائب طعمة فرمان وإميل حبيبي ولطيفة الزيات؟

أليس من العجيب أن يجهل هذا الجيل أديبة عربية مثل غادة السمّان، كانت قبل عقدين من الزمان ملء السمع والبصر؟ وبعض نصوصها مدرج في المناهج الدراسية، لاسيما في سوريا ولبنان. وقد كُتبتْ عنها العشرات من أطروحات الماجستير والدكتوراه!

ربما تقولون هو زمن الشاشات والهواتف الذكية، وانقضى زمن المطبوعات الورقية وتراجعت قراءة الروايات ودواوين الشعر. هذا جيل يعرف نجيب محفوظ من خلال الأفلام المأخوذة عن رواياته، لا من خلال مطالعة رواياته التي زاد عددها على الثلاثين. وسأقول لكم إن أجيالاً من البريطانيين تداوم على قراءة شكسبير حتى بعد أن شاهدت “عطيل” و”تاجر البندقية” و”هاملت” وغيرها على المسرح والشاشة.

وعودة إلى غادة السمّان. فهذه الكاتبة السورية التي تجاوزت الثمانين كانت حاضرة بقوة في المشهد الأدبي العربي. مشرقة مثل شمس حتى ولو أنها نادرة الظهور أمام القراء. كنا نقرأ رواياتها ومقالاتها الأسبوعية دون أن نراها في مهرجان أو ندوة أو معرض كتاب. عاشت تثير الزوابع وهي محتجبة. تلقي مفرقعاتها من وراء شرفة شقتها في باريس دون أن تنزل إلى الشارع.

أشهر زوابع غادة هو الكتاب الذي نشرت فيه رسائل الحب التي كتبها لها الأديب الفلسطيني غسان كنفاني. وفي حين تلقّف الآلاف الكتاب المثير وسهروا لمطالعته، ثار فريق آخر ضد الكاتبة، واتهمها بتشويه صورة الأديب المناضل الذي استشهد في حادث تفجير سيارته في بيروت. 

 لا أدري لماذا يحب البعض أن يسبغوا على رجل السياسة صورة متجهمة؟ السياسي هو ذلك الصارم الملتزم الذي لا تعرف الابتسامة طريقها إلى شفتيه، ولا يمكن لسهم الحب أن يخترق قلبه. كان غسان إنساناً قبل أن ينذر نفسه لقضية شعبه. وهو قد أحبّ غادة وصارحها بمشاعره. كيف يمكن لشاعر رقيق أن يقمع نبضات قلبه؟ هل الحب جريمة أو معصية؟

أتذكر دائماً هذين البيتين الجميلين لعباس بن الأحنف، الشاعر الذي عاش في بداية القرن التاسع الميلادي، يقول:

أستغفر الله إلا من محبتكم

فإنها حسناتي يوم ألقاه

فإن زعمتِ بأن الحب معصية

فالحب أحسن ما يُعصى به الله

نشرت غادة السمّان أيضاً كتاباً جمعت فيه عشرات المقابلات الصحافية التي أجريت معها، وفي كل تلك المقابلات لم يحدث أن جلست مع الصحافي وتحاورت معه. هي مثل شمس في حالة كسوف، تتواصل بدون مواجهة. تتلقى الأسئلة وترد عليها بالبريد، ونادراً ما ترفض طلباً لمقابلة. تهتم وتستفيض في إجاباتها، وتحرص على أن تبعث للصحافي بصور مختارة لها. ليست هناك صورة عفوية، كل لقطة هي جزء من الهالة الخاصة التي تحيط نفسها بها.   

سألتها، في واحدة من مقابلاتي “البريدية” معها، عن حكمتها في التعامل مع الزمن. فهي، كما نراها في الصور، أنيقة دائماً وفي أجمل قوام. كتبت لي: “لا أخاف من الزمن أكثر مما يخافه أي رجل عربي في مثل سني وله نفس مهنتي. انتهى الزمان الذي كانت المرأة العربية تهلع فيه حين تبلغ الأربعين، خوفاً من انتهاء مهمتها في الحياة. أي الإنجاب وتوابعه. بالنسبة لي أعالج الزمن بالصفاء الروحي وهدوء الأعصاب. وهناك الرياضة التي هي مفتاح أساسي”.

بعيداً عن الأعين، تخرج غادة لتمارس الرياضة في غابة بولونيا. وهي تمشي كل يوم لمسافة معينة وتؤدي التمارين السويدية في شقتها حين يغطي الثلج شوارع المدينة. وهي لا تفعل ذلك لضرورات الرشاقة، إذ تبدو في الصور وكأنها تكتفي بطعام عصفور، وإنما لضرورات العافية النفسية والجسدية. وفي الصيف تحرص على السباحة في شواطئ لا يعرفها أحد، وتحلم دائماً بأن يكون هناك شاطئ لها وحدها في بحر دافئ.

تعترف أنها، في سن الأربعين، عرفت الازدهار الحقيقي على صعيد العمل. وعرفت “الحب البعيد عن منطق المخالب والأظافر والامتلاك”. المهم أن ترفض المرأة تخويفها ببعبع الزمن. فالسن ليس هيبة للرجل وعاهة للمرأة. وتعود لتعترف أيضاً، بأننا نخسر أشياء كثيرة مع الزمن. ولكن في وسعنا أن نربح أشياء أخرى تمكث في القلوب وتنفع الناس. وقد لا يكون الرجال والنساء متساوين أمام التقدم في العمر لكنهم جميعاً متساوون أمام الموت!

لكن سن الأربعين ليست مثل الثمانين. وهناك نوع من المكابرة حين يقول المرء إنه لا يخاف التقدم في السن وخذلان الجسد. أما غادة السمّان فتصرّ على أن الزمن ليس عدواً شرط ألا نهابه. وقد تعلمتْ كيف تصادقه بل وتوظفّه لحسابها. وفي سن الأربعين رأت رواياتها تصدر مترجمة إلى عشر لغات عالمية. وهو ما كان ليحدث لولا سنوات انتشار كتبها في العالم العربي وما كسبته من شهرة.

يعرف أصدقاء هذه الأديبة الكبيرة أن من هواياتها جمع التمائم الصغيرة التي تمثل طائر البوم. وهي تمتلك “قبيلة من البوم” تعدادها 356 نسمة، من الخشب والعاج والفضة والكريستال والخزف والمرمر. ولا علاقة لهذه الهواية بالتفاؤل أو التشاؤم لكنها، ببساطة، ترى البوم طائراً جذاباً وهي تحبه مثلما تحب المخلوقات الجميلة في هذه الحياة. ولأنها كاتبة جميلة فنحن نحبها. ومن حقنا أن نسأل: أين غادة السمّان؟