بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

سياسة دولية

مستوطنات الضفة تحت مقصلة العقوبات.. الغرب يحوّل التوسع الإسرائيلي إلى كلفة اقتصادية وسياسية

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

تنقل بريطانيا وفرنسا وكندا ملف المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية إلى مرحلة جديدة، بعدما قررت الدول الثلاث اتخاذ خطوات لحظر استيراد السلع المنتجة في المستوطنات، بالتزامن مع تحرك أوسع تشارك فيه 12 دولة غربية بدرجات متفاوتة. ولا يتعلق الأمر بمقاطعة إسرائيل أو بإعادة صياغة العلاقات التجارية معها، بل بمحاولة فصل نشاط المستوطنات عن الاقتصاد الإسرائيلي في التعاملات الدولية.

تستمد الخطوة أهميتها من توقيتها ومن طبيعة الأدوات المستخدمة، فالتوسع الاستيطاني، وخصوصاً في المناطق التي تعتبرها هذه الدول حاسمة لمستقبل حل الدولتين، لم يعد يواجه بيانات إدانة فقط، بل بدأ يدخل نطاق السياسة التجارية والقيود الاقتصادية. وهذا يعني انتقالاً تدريجياً من الاعتراض على نتائج الاستيطان إلى محاولة التأثير في البيئة التي تسمح بتوسعه.

الاستيطان يدخل مرحلة الكلفة

لا تكمن المشكلة بالنسبة إلى إسرائيل في القيمة المالية المحدودة لمنتجات المستوطنات، بل في السابقة التي تخلقها هذه الإجراءات. فعندما تضع دولة غربية قواعد تجارية مختلفة للسلع المنتجة في المستوطنات، فإنها تترجم موقفاً سياسياً وقانونياً بشأن وضع الأراضي المحتلة إلى إجراء عملي.

تتجاوز هذه السابقة التجارة نفسها، إذ إن النشاط الاستيطاني يعتمد على البناء والعقارات والخدمات والنقل والتمويل والتأمين، ما يجعل أي توسع في الإجراءات مستقبلاً قادراً على التأثير في نطاق من الأنشطة الاقتصادية يتجاوز تصدير السلع الزراعية أو الصناعية.

وهنا يظهر الفرق بين العقوبة التجارية والضغط الاقتصادي؛ فحظر منتج معين قد يبقى محدود الأثر، لكن إدخال النشاط الاستيطاني في حسابات المخاطر القانونية والسياسية يمكن أن يؤثر في قرارات الشركات والمستثمرين والمؤسسات المالية. وقد لا تحتاج هذه الجهات إلى حظر رسمي كي تتراجع؛ يكفي أن تصبح المشاركة في مشروع استيطاني أكثر تعقيداً من الناحية القانونية أو أكثر حساسية من ناحية السمعة.

لهذا تبدو الإجراءات البريطانية والفرنسية والكندية مهمة بوصفها نقطة بداية محتملة لمسار أوسع، لا باعتبارها ضربة مباشرة للاقتصاد الإسرائيلي.

القانون يعيد رسم الحدود

يستند التحرك الغربي إلى قاعدة قانونية أصبحت أكثر وضوحاً في السنوات الأخيرة. فقد خلصت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري الصادر في يوليو/تموز 2024 إلى أن المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية والقدس الشرقية والنظام المرتبط بها أُنشئت ويُحافظ عليها في انتهاك للقانون الدولي. كما ربطت المحكمة بين السياسات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة وبين إضعاف حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير.

لكن الأهم سياسياً أن الحكومات الغربية لا تستخدم هذا الموقف القانوني لفرض مقاطعة شاملة على إسرائيل. فالبيان الثلاثي لبريطانيا وفرنسا وكندا يؤكد في الوقت نفسه استمرار الرغبة في شراكة وثيقة مع إسرائيل ودعم أمنها، بينما يربط الإجراءات تحديداً بالمستوطنات والجهات التي تسهّل نشاطها أو تستفيد منه.

هذا التفريق مهم، لأنه يوضح طبيعة السياسة الجديدة: الضغط على الاستيطان مع الإبقاء على العلاقة مع الدولة الإسرائيلية.

في هذا السياق، تبرز منطقة “E1” الاستراتيجية، الواقعة بين القدس الشرقية ومستوطنة معاليه أدوميم، باعتبارها إحدى أكثر نقاط التوسع الاستيطاني حساسية، فالمضي في تطويرها قد يؤثر في التواصل الجغرافي بين أجزاء الضفة الغربية، ويزيد من عزل القدس الشرقية عن محيطها الفلسطيني. ومن هنا، لا يرتبط الاعتراض الغربي على المشروع بمجرد التوسع العمراني، بل بما قد يترتب عليه من تداعيات مباشرة على تواصل الأراضي الفلسطينية وإمكان قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة ضمن إطار حل الدولتين. وقد وصف البيان المشترك نشر مناقصات المشروع بأنه تطور غير مقبول، وربطه بتسارع التدهور في الضفة الغربية.

من هذا المنطلق، يصبح الاستيطان قضية جغرافية بقدر ما هو قضية قانونية. فكل مشروع جديد لا يضيف وحدات سكنية فحسب، بل قد يغير شكل الأرض التي يفترض أن تقوم عليها التسوية المستقبلية.

جبهة غربية تتوسع تدريجياً

يجب التعامل بحذر مع الحديث عن “تحالف غربي موحد”، فالدول الـ12 لم تعلن حزمة عقوبات واحدة، ولم تدخل جميعها المرحلة التنفيذية نفسها. البيان الرسمي يقول إن هذه الدول إما تعتزم فرض قيود وطنية، أو دعم قيود أوروبية، أو تدرس بجدية هذه الخيارات وغيرها وفق إجراءاتها الوطنية. وفي المقابل، أكدت بريطانيا وفرنسا وكندا تحديداً أنها ستمضي في اتخاذ إجراءات وطنية لحظر تجارة السلع الآتية من المستوطنات.

هذا التفاوت لا يلغي أهمية التحرك، بل يكشف طبيعته الحقيقية: بناء ضغط تراكمي بدلاً من فرض عقوبة غربية موحدة دفعة واحدة.

فقد سبق أن اتخذت دول مثل أيرلندا وإسبانيا وهولندا والنرويج وبلجيكا إجراءات في هذا الاتجاه، بينما تنضم دول أخرى الآن إلى المسار بدرجات مختلفة. ومع كل خطوة جديدة، يصبح فرض قيود على النشاط الاستيطاني أقل استثنائية.

لكن المسار الأوروبي يواجه عقبة سياسية واضحة تتمثل في صعوبة التوصل إلى موقف موحد داخل الاتحاد الأوروبي. ولذلك تتحرك بعض العواصم وطنياً بدلاً من انتظار إجماع أوروبي شامل. وقد يدفع استمرار هذا الاتجاه إلى تحويل الإجراءات الوطنية إلى مختبر لسياسة أوروبية أوسع.

في المقابل، يظل غياب الولايات المتحدة عن هذا المسار عاملاً مهماً، فواشنطن لا تتبنى حالياً النهج نفسه، ما يحد من الأثر التجاري المباشر لهذه الإجراءات ويمنع تشكل جبهة غربية موحدة. لكن الانقسام لا يعني بالضرورة فشل السياسة الأوروبية؛ فقد يؤدي، على العكس، إلى اتساع الفارق بين النهجين الأمريكي والأوروبي تجاه الاستيطان.

من الإدانة إلى الردع

لن يكون المعيار الحقيقي لنجاح هذه السياسة عدد المنتجات التي ستتوقف عن دخول الأسواق الغربية، لأن حجم تجارة المستوطنات محدود أصلاً. المعيار الأهم هو ما إذا كانت الإجراءات ستنجح في تغيير حسابات الاستثمار المرتبط بالمستوطنات.

المرحلة الأولى تتعلق بالتجارة، والثانية (المحتملة) بالجهات التي تمول أو تسهّل النشاط الاستيطاني. وإذا اتسعت الإجراءات في المستقبل لتشمل التمويل والتأمين والاستثمار والخدمات، فإن التأثير سيكون مختلفاً جذرياً عن حظر بعض السلع.

عندها يمكن أن يتحول الاستيطان إلى مجال يحمل مخاطر خاصة بالنسبة للشركات الدولية. ولن يكون المطلوب من الحكومات أن تمنع كل استثمار بصورة مباشرة؛ يكفي أن تصبح البيئة القانونية والتنظيمية أكثر تعقيداً بحيث تعيد المؤسسات الخاصة تقييم علاقتها بالمشاريع القائمة في المستوطنات.

وهذا هو الفرق بين العقوبة والردع. العقوبة تستهدف نشاطاً قائماً، أما الردع فيحاول التأثير في القرار قبل حدوث الاستثمار أو البناء. وإذا نجحت الدول الغربية في الوصول إلى هذه المرحلة، فإن أثر سياستها سيتجاوز الأثر التجاري المباشر للحظر.

ولهذا أيضاً تبدو ردة الفعل الإسرائيلية ذات دلالة سياسية. فقد أعلنت إسرائيل إغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية واتخذت إجراءات ضد مسؤولين بريطانيين عقب التحرك البريطاني والفرنسي والكندي. وهذا يشير إلى أن تل أبيب تنظر إلى المسألة باعتبارها سابقة سياسية يمكن أن تتوسع، وليس مجرد خلاف تجاري محدود.

الاستيطان يدخل حسابات الكلفة الاقتصادية والقانونية

في المحصلة، لا تمثل هذه الإجراءات حصاراً اقتصادياً لإسرائيل، ولا تعني أن الغرب انتقل إلى سياسة مقاطعة شاملة. لكنها تمثل تحولاً أكثر تحديداً: حرمان المستوطنات تدريجياً من الامتيازات الاقتصادية التي تستفيد منها بحكم اندماجها في الاقتصاد الإسرائيلي.

وإذا استمر هذا المسار، فقد يصبح التوسع الاستيطاني مرتبطاً بثلاثة أنواع من المخاطرالمتزايدة: قيود على التجارة، تدقيق في العلاقات المالية والاستثمارية، وتداعيات قانونية وسياسية على الجهات التي تشارك في النشاط الاستيطاني.

عندها لن يكون السؤال ما إذا كان الغرب يستطيع وقف بناء مستوطنة جديدة بقرار تجاري، بل ما إذا كان يستطيع جعل دمج المستوطنات المقامة على الأراضي المحتلة في الاقتصاد الدولي أكثر صعوبة.

وهنا تكمن أهمية التحول الحالي: الاستيطان لم يعد يواجه اعتراضاً سياسياً فقط، بل بدأ يدخل تدريجياً في حسابات الكلفة الاقتصادية والقانونية للتوسع الإسرائيلي في الضفة الغربية.