بعد عقد من التصويت على مغادرة الاتحاد الأوروبي، تعود لندن إلى اختبار العلاقة مع بروكسل، لكن الطريق إلى العضوية الكاملة يمر عبر تنازلات سياسية واقتصادية قد تكون أكثر تعقيداً من مجرد التراجع عن “بريكست”.
أعاد رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنام ملف العلاقة الثنائية مع الاتحاد الأوروبي إلى صدارة المشهد، بعدما فتح الباب أمام خيارات تتراوح بين تحسين علاقة بلاده الحالية مع الكتلة، والانضمام إلى الاتحاد الجمركي أو السوق الموحدة، وصولاً إلى احتمال العودة الكاملة.
أثار الطرح ترحيباً سريعاً في بعض العواصم الأوروبية، إذ قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون “مرحباً بعودتكم”، فيما أكد رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز أن بلاده “ستفتح ذراعيها لعودة المملكة المتحدة”. لكن خلف هذه التصريحات الودية، تختبئ حسابات أوروبية أكثر تحفظاً. بروكسل تريد أولاً معرفة ما إذا كان التحول في الموقف البريطاني يمثل توجهاً استراتيجياً طويل الأمد، أم حلقة جديدة في سلسلة التحولات السياسية التي شهدتها بريطانيا خلال السنوات الأخيرة.
وهذه النقطة مهمة تحديداً في ظل حساسية العلاقة التي خلفها “بريكست”، بعدما صوت البريطانيون في 2016 لمغادرة الاتحاد، قبل أن تدخل لندن وبروكسل في مفاوضات طويلة ومعقدة حول الانفصال والتجارة والحدود والحقوق.
العودة لا تعني استعادة الوضع السابق
أكبر سوء فهم محتمل في النقاش البريطاني هو التعامل مع العودة إلى الاتحاد الأوروبي باعتبارها عملية عكسية لـ”بريكست”. قانونياً، لن يكون الأمر كذلك.
العودة الكاملة ستتطلب مسار انضمام جديداً بموجب المادة 49 من معاهدة الاتحاد الأوروبي، يتضمن التفاوض على شروط العضوية وموافقة جميع الدول الأعضاء والتصديق على اتفاق الانضمام. وتُظهر قواعد التوسع الحالية أن شروط العضوية والالتزامات المالية والترتيبات الانتقالية تُحدد خلال مفاوضات الانضمام، ولا توجد قاعدة تضمن لبريطانيا استعادة الاستثناءات التي كانت تتمتع بها قبل الخروج.
وهنا تظهر واحدة من أكثر القضايا حساسية، وهي إعادة التفاوض على خصم من موازنة المملكة المتحدة تفاوضت عليه حكومة مارغريت تاتشر في ثمانينات القرن الماضي. وبحسب مسؤولين بريطانيين سابقين، فإن محادثات غير رسمية سابقة أشارت إلى احتمال عدم استمرار هذا الامتياز في حال عودة بريطانيا، ما قد يعني تكاليف إضافية بنحو 5 مليارات جنيه إسترليني (6.6 مليار دولار) سنوياً في حال العودة.
حرية الحركة
قد تكون “حرية حركة الأشخاص” من الملفات السياسية المعقدة بعيداً عن أي ترتيب مالي. المملكة المتحدة لن تتمكن، على الأرجح، من العودة إلى السوق الموحدة من دون إعادة فتح النقاش حول حرية حركة العمال، وهي إحدى ركائز السوق الأوروبية. وقد حافظ الاتحاد الأوروبي على اعتبار حرية الحركة عنصراً أساسياً في منظومة الحقوق الأوروبية.
في المقابل، لا يعني ذلك تلقائياً أن بريطانيا ستضطر إلى تبنّي كل الترتيبات التي كانت قائمة قبل الخروج. إن مسألة الانضمام إلى منطقة شنغن أو تبنّي اليورو ستكون جزءاً من التفاوض على شروط العضوية، ولا يمكن الافتراض مسبقاً أن لندن ستستعيد جميع استثناءاتها السابقة.
مع ذلك، يبقى جوهر المشكلة السياسية واضحاً، فكلما اقتربت بريطانيا من قلب السوق الأوروبية، زادت الحاجة إلى قبول قواعد أوروبية تحد من مساحة الاستقلال التنظيمي التي كان “بريكست” قد منحها للندن.
اتفاقات في مرمى الخطر
هناك أيضاً بُعد تجاري بالغ الأهمية. منذ خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، بنت البلاد شبكة متنامية من الاتفاقات التجارية المستقلة، بما فيها اتفاق التجارة الحرة مع الهند الذي دخل حيز التنفيذ في يوليو/تموز 2026، إلى جانب اتفاقات مع أستراليا ونيوزيلندا واليابان ودول أخرى. وتقول الحكومة البريطانية إن لديها اتفاقات تجارية سارية مع 73 شريكاً، إضافة إلى الاتحاد الأوروبي.
ويُعد الاتفاق البريطاني-الهندي مثالاً واضحاً على المعضلة؛ إذ تصفه لجنة الأعمال والتجارة في مجلس العموم بأنه أهم اتفاق تجارة ثنائي للمملكة المتحدة في الآونة الأخيرة، فيما تتوقع الحكومة أن يرفع الناتج المحلي البريطاني بنحو 4.8 مليار جنيه إسترليني سنوياً على المدى الطويل.
بالتالي، فإن العودة إلى الاتحاد الجمركي للكتلة أو السوق الموحدة ستطرح سؤالاً جوهرياً: إلى أي مدى يمكن لبريطانيا الاحتفاظ بسياسة تجارية مستقلة إذا أصبحت ملتزمة بالقواعد التجارية الأوروبية؟
تفاصيل تكشف صعوبة الطريق
المفارقة أن لندن وبروكسل لا تزالان تكافحان لإنجاز ملفات أصغر بكثير من العضوية الكاملة. المفاوضات الحالية تركز على إنشاء ترتيبات أكثر سلاسة لتجارة الأغذية والمنتجات الزراعية، وربط نظامي تداول الانبعاثات، وإطلاق برنامج للتنقل الشبابي، إلى جانب ملفات الطاقة والتعاون التعليمي. وكانت بريطانيا قد اتفقت بالفعل على المشاركة في برنامج “إيراسموس+” اعتباراً من 2027.
ويكتسب ربط أسواق الكربون أهمية اقتصادية متزايدة؛ إذ يمكن أن يقلل الحواجز التنظيمية ويحد من مخاطر تأثير آلية تعديل الكربون الأوروبية على الواردات البريطانية. كما تسعى لندن إلى تعزيز اندماجها في سوق الكهرباء الأوروبية.
لكن حتى هذه الملفات ظلت عرضة للخلافات والتأجيل، ما يوضح أن بناء علاقة أكثر تكاملاً يحتاج إلى تفاوض طويل حتى عندما لا يتعلق الأمر بالعضوية.
الدفاع يكشف حدود الشراكة
يمثل التعاون الدفاعي مجالاً آخر تتقاطع فيه المصالح مع القيود المؤسسية. الاتحاد الأوروبي أطلق برنامج “العمل الأمني من أجل أوروبا” (SAFE) بقيمة 150 مليار يورو لتوفير قروض طويلة الأجل للدول الأعضاء وتمويل مشتريات دفاعية مشتركة، مع اشتراطات مرتبطة بدرجة كبيرة بالقاعدة الصناعية الأوروبية.
تعثرت محادثات مشاركة بريطانيا في البرنامج، ما قلص فرص شركات دفاعية بريطانية في الاستفادة من الأموال. وتكشف القضية عن معادلة أوسع: لندن تريد الوصول إلى أجزاء من المنظومة الأوروبية التي تخدم مصالحها، فيما يصر الاتحاد على أن المشاركة في عملية صنع القرار والمزايا الاقتصادية لا تنفصل عن قواعد العضوية أو الترتيبات القانونية التي تحكم علاقته بالدول غير الأعضاء.
صوت من دون عضوية!
ظهرت هذه المعضلة أيضاً عندما سعت بريطانيا إلى المشاركة في لجان أوروبية تُعنى بالزراعة ومعايير الغذاء وأسواق الكربون والكهرباء، وهي مجالات تحاول لندن مواءمة قواعدها مع الاتحاد. لكن المفوضية الأوروبية أبلغت الدول الأعضاء بأن الترتيبات الحالية لا تمنح بريطانيا حق المشاركة في عملية صنع القرار الأوروبي. كما عارضت دول أعضاء منح لندن دوراً في صياغة قواعد الاتحاد، وهي نقطة تعكس مبدأً أساسياً في العلاقة: من يطبق القواعد الأوروبية ليس بالضرورة من يشارك في وضعها.
ربما لم يعد النقاش الجديد في أروقة السياسة البريطانية يدور حول العودة إلى الاتحاد الأوروبي، بل عن كلفة الاندماج الذي تستطيع لندن تحمله، وأي مستوى من السيادة مستعدة للتخلي عنه مقابل استعادة الارتباط، وما الذي سيطلبه الطرف الآخر في المقابل؟
العودة إلى السوق الموحدة قد تخفف الحواجز التجارية، لكنها تعيد قضية حرية الحركة والمواءمة التنظيمية. والانضمام إلى الاتحاد الجمركي قد يسهل التجارة مع أوروبا، لكنه يحد من استقلال السياسة التجارية. أما العضوية الكاملة فتفتح الباب أمام أوسع اندماج اقتصادي وسياسي، لكنها تتطلب إعادة التفاوض على التزامات وحقوق لم تعد مضمونة منذ مغادرة الاتحاد.















