بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

فراغات أمنية

استغلال المظلومية الإقليمية في الشرق الأوسط يمثل أداة سياسية لإعادة إنتاج الفوضى وصناعة جيل جديد من التطرف

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

تعيش التنظيمات الإرهابية العابرة للحدود، وفي مقدمتها “القاعدة” و”داعش” و”حزب الله” و”الحوثيون”، على هوامش الأزمات الكبرى وتحت ظلال الحروب المفتوحة، مستغلةً الفراغات الأمنية والسياسية لإعادة إنتاج نفسها. وفي شرق أوسط شديد الاضطراب، من غزة إلى جنوب لبنان مروراً بسوريا والعراق واليمن، وصولاً إلى التوتر بين إسرائيل وإيران، تتراكم مشاهد الدمار والمعاناة الإنسانية بوصفها مادة دعائية لا تنضب تُوظَّف لإعادة إحياء الخطاب الراديكالي وتوسيع التجنيد.

هكذا تتحول الحروب الممتدة في الإقليم إلى بيئة إنتاج مستمرة للسرديات المتطرفة، حيث يُعاد تأويل المأساة الإنسانية خارج سياقها السياسي لخدمة مشروع العنف العابر للحدود.

وعلى الرغم من التباينات العقائدية العميقة والصراعات الميدانية السابقة، فإن هذه التنظيمات تتقن ما يمكن تسميته “القرصنة الأيديولوجية للمظلومية”، عبر الاستيلاء على المآسي الإنسانية وإعادة توظيفها لخدمة مشروعها العنيف، مستفيدة من انسداد الأفق السياسي وتراجع ثقة قطاعات واسعة بالسرديات التقليدية.

القرصنة الأيديولوجية لخطاب الصراع

تعتمد التنظيمات المتطرفة على الفصل بين الخلافات العقائدية المعقّدة وبين البروباغندا الموجهة للجمهور؛ فهي لا ترثي خصومها ولا تتبنّى قضاياهم، بل تنتقي المشاهد الإنسانية الأكثر قسوة لإعادة تركيبها باعتبارها دليلاً على فشل النظام الدولي وعدم جدوى الحلول الدبلوماسية.

من خلال هذا التوظيف الانتقائي، تُصوَّر المبادرات السياسية ومشاريع التسوية بوصفها أوهاماً كرّستها القوى الدولية من دون نتائج ملموسة. وهنا يظهر استغلال مشاهد الحرب في غزة وجنوب لبنان خارج سياقها السياسي، كأدلة على انهيار العدالة الدولية، على الرغم من التباينات البنيوية بين أطراف النزاع وبين التنظيمات السنية المتطرفة.

وتتلخص الرسالة الموجهة إلى الشباب في أن القوة المسلحة وحدها هي القادرة على انتزاع الحقوق، ما يعيد هذه الجماعات إلى الواجهة كبديل راديكالي وحيد قادر على كسر حالة العجز الدولي.

تآكل السردية الغربية لحقوق الإنسان

يشكل التباين في مواقف القوى الدولية الكبرى، ولا سيما الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، تجاه الأزمات الإنسانية في المنطقة مقارنة بأزمات أخرى، إحدى أهم الأوراق التي تستثمرها الآلة الدعائية للتنظيمات الإرهابية.

فعلى مدى عقود، استند النفوذ الغربي إلى منظومة من المبادئ المعلنة مثل حماية المدنيين وسيادة القانون الدولي. غير أن تعقيدات المشهد الإقليمي ومحدودية فاعلية المؤسسات الدولية أسهما في تغذية خطاب “ازدواجية المعايير”.

ويؤدي هذا التراجع في الثقة إلى اتساع دائرة الإحباط، خصوصاً في الساحات التي لا تزال تعاني من آثار الحروب المستمرة. وفي مثل هذه البيئات، تصبح الرسائل المتطرفة أكثر قدرة على اختراق الوعي، لأنها تقدم تفسيراً بسيطاً لعالم شديد التعقيد، وتعرض العنف باعتباره وسيلة حتمية لمواجهة اختلال ميزان القوى الدولي.

التجنيد الرقمي والذئاب المنفردة

أعاد التضييق الأمني على ساحات القتال التقليدية رسم جغرافيا التجنيد الإرهابي؛ فلم تعد التنظيمات بحاجة إلى نقل المجندين إلى معسكرات تدريب، بل أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على “التطرف عن بُعد”.

تستثمر هذه الحملات حالة الصدمة النفسية الناتجة عن التدفق المستمر لصور الحروب عبر منصات التواصل الاجتماعي المشفرة. وتستهدف الجاليات العربية والمسلمة في الدول الغربية، إضافة إلى الشباب داخل المنطقة الذين يعانون أزمات هوية أو تهميشاً اجتماعياً.

ويُعاد توجيه هذا الغضب داخل غرف الدردشة المغلقة عبر عمليات تعبئة تدريجية قد تقود إلى تنفيذ هجمات فردية يصعب رصدها مسبقاً. وبذلك، تتحول الأزمات الإقليمية والتوترات الجيوسياسية المفتوحة إلى تهديد أمني عابر للحدود، يعتمد على أفراد منفردين متحفزين ذاتياً أكثر من اعتماده على هياكل تنظيمية كلاسيكية.

الفراغ السياسي بوصفه حاضنة للتطرف

يزدهر الفكر المتطرف في البيئات التي تفشل فيها الدولة وتتراجع فيها السياسة. فانسداد الأفق، وتدمير البنية التحتية، وغياب مشاريع إعادة الإعمار والتنمية، إلى جانب الأزمات الاقتصادية المتلاحقة، كلها عوامل تنتج مجتمعات تعيش حالة مزمنة من الإحباط وفقدان الأمل.

وعندما يُحرم الشباب من التعليم والعمل والمشاركة السياسية، ويتحول الشعور بالمظلومية إلى جزء من الحياة اليومية، يصبح الانضمام إلى التنظيمات المتطرفة خياراً لا تحركه القناعة الأيديولوجية وحدها، بل أيضاً الحاجة إلى الهوية أو الانتقام أو البقاء المادي.

لهذا، فإن الاقتصار على المقاربات الأمنية دون معالجة جذور الأزمات الهيكلية لا يؤدي إلا إلى إطالة دورة إنتاج التطرف، حيث تُستبدل القيادات التي يُقضى عليها بأجيال جديدة تجد في الفراغ السياسي بيئة مثالية لإعادة التشكل والاستمرار.

قصور استراتيجي

تكشف التطورات الجيوسياسية في الشرق الأوسط أن استمرار الصراعات من دون تسويات سياسية شاملة، والاكتفاء بإدارة الأزمات أمنياً، يمثلان قصوراً استراتيجياً يتجاوز حدود المنطقة ليطال الأمن الدولي بأكمله. فالمظلومية الإنسانية غير المعالجة، وتراجع الثقة بالمنظومة الدولية، يشكلان معاً المادة الخام التي تستثمرها التنظيمات الإرهابية لإعادة بناء شبكاتها.

عجزت هذه الكيانات لسنوات عن تعويض خسائرها بالاعتماد على السيطرة الميدانية، لكنها تجد اليوم في الأزمات الممتدة والانسداد السياسي بيئة ملائمة لاستعادة حضورها، ما يفرض تبني مقاربات سياسية وتنموية حقيقية لكسر هذه الحلقة المفرغة.