شهدت منصات التواصل الاجتماعي في مصر خلال الأيام الماضية حالة واسعة من الجدل، عقب انتشار وتداول مقاطع فيديو تظهر طالبات في أحد المعاهد الأزهرية للفتيات بالمرحلتين الإعدادية والثانوية، وهن يرددن أناشيد وهتافات ترتبط تاريخياً بأدبيات جماعة “الإخوان المسلمين” والتيار التكفيري، مستخدمات مصطلحات متطرفة مثل: “فليعد للدين مجده أو تُرَق منا الدماء”، و”يا طواغيت الزمان”.
تطرح الواقعة مسألتين؛ الأولى تتمثل في أهمية الأناشيد الثورية والجهادية لجماعة “الإخوان” ولتيارات الإسلام الحركي عامة، والثانية تتجلى في مدى استمرارية الجماعات المتطرفة في اختراق المؤسسة الأزهرية، خاصة أن معاهد الأزهر ليست مجرد مؤسسات تعليمية عادية، وإنما تمثل إحدى البيئات التي يتشكل داخلها الوعي الديني لدى قطاعات واسعة من النشء. ومن ثم فإن انتقال خطاب حركي أو تنظيمي إليها، لا ينبغي التعامل معه بوصفه واقعة عابرة فحسب، وإنما باعتباره مسألة تتعلق بحدود الفصل بين التعليم الديني والتوظيف الأيديولوجي للدين.
ليست الأناشيد في أدبيات الإسلام الحركي مجرد وسيلة للترفيه أو التعبير الفني، وإنما أداة للتعبئة النفسية وبناء الهوية الدينية، وإعادة إنتاج المنظومة الفكرية والحركية داخل الجماعة، فضلاً عن توظيفها بوصفها جزءاً من المحتوى الإعلامي المصاحب للعمليات والرسائل الدعائية التي تنتجها التنظيمات المتطرفة. من هنا يمكن فهم الأناشيد على أنها أحد أشكال التعبئة النفسية؛ فهي لا تقدم أفكاراً سياسية أو عقائدية بصورة مباشرة فحسب، وإنما تسعى إلى تحويل تلك الأفكار إلى مشاعر وانفعالات، بحيث يصبح الانتماء إلى الجماعة تجربة وجدانية قبل أن يكون مجرد اقتناع فكري.
“الإخوان المسلمين” والأزهر
منذ تأسيس “الإخوان المسلمين” على يد حسن البنا في مارس/آذار 1928، وضعت الأزهر الشريف نصب أعينها، وعملت على استمالة أكبر عدد من مشايخه ورموزه وطلابه، ومن ثم زخرت مختلف المذكرات الشخصية لقادة ومرجعيات الجماعة بالحديث عن أهمية الأزهر، وتأثيره كمنصة عالمية يمكن أن تسهم بشكل فاعل في نشر أفكارهم وأدبياتهم.
هكذا أسست الجماعة، في هيكلها الداخلي، قسماً معنياً بمتابعة طلاب المعاهد الأزهرية، ضم طلاب المراحل الابتدائية والإعدادية والثانوية، تحت مسمى “أشبال الأزهر”. وعلى مستوى التعليم الجامعي، أسست قسماً آخر، يسمى “طلاب الأزهر”، جعلته منفصلاً عن “قسم الطلبة” داخل كيانها التنظيمي.
كان نشاط “الإخوان” داخل جامعة الأزهر، أكبر بكثير من حجم نشاطهم داخل أي جامعة مدنية أخرى، لسهولة استمالة الطلاب الأزهريين والتأثير عليهم، نظراً لتعمقهم في الجانب الديني فقهياً وشرعياً، ما يؤهلهم لتبنّي الخطاب الإخواني دون معاناة، فضلاً عن أن الكثير منهم “مغتربون”، ما أتاح لهم فرصة الإقامة الكاملة داخل “المدينة الجامعية”، التي تحولت إلى معسكرات للاستقطاب والتجنيد والتأهيل أيضاً، في ظل سيطرة الإخوان على المشهد من خلال أسرة “جيل النصر المنشود”، التي تأسست عام 1993، وضمت أكثر من ألفي طالب أزهري حينها.
اعتبرت الجماعة أن الطالب الأزهري مهيأ تماماً لقبول الفكرة الإخوانية والالتصاق بها، على عكس الطلاب الذين يدرسون في الهيئات الحكومية والمدنية، لكون التعليم الأزهري قائماً على العلوم الدينية والشرعية، ومن ثم لا يبقى سوى توجيه البوصلة في اتجاه أهداف التنظيم.
الفن البديل
تعد منظومة الأناشيد الثورية والجهادية تعبيراً خالصاً عن مفهوم “الفن البديل”، الذي تم طرحه وإقراره من قبل تيارات الإسلام الحركي كبديل عن الأنشودة الغنائية والفنية، فضلاً عن كونه أداة فاعلة في نقل التجربة الجهادية الذاتية بين الفئات والأجيال المختلفة، من خلال الكلمات المؤثرة المغلفة بالشجن والوجدان، وتختصر الأهداف الفكرية والثورية في ملحمة فلكلورية، مؤطرة بأدبيات المشروع الفكري للجماعة، ومعبرة عن تاريخها الحركي والتنظيمي.
وتتنوع الأناشيد الثورية داخل البنية التنظيمية لجماعة “الإخوان”، بهدف التأثير في أتباعهم وإثارة حماسهم، إذ تعد الأناشيد الجهادية إحدى الأدوات الفاعلة في الترويج للأطر الفكرية والأيديولوجية للجماعة، في ظل قدرتها على تحويل الفكرة المجردة إلى تجربة عاطفية، في سياق مفاهيم مثل “الشهادة” و”النصر” و”التضحية” المرتبطة بتصور الصراع الذي تقدمه الجماعة لقواعدها التنظيمية.
فرق الإنشاد
يأتي في مقدمة الأناشيد التي روّجت للمشروع الفكري لجماعة “الإخوان المسلمين”، أنشودة “الله غايتنا ورسولنا زعيمنا، قرآننا دستورنا، الموت في سبيل الله أسمى أمانينا”، ونشيد “لبيك إسلام البطولة كلنا نفدي الحمى، كلنا نفدي الحمى، لبيك واجعل من جماجمنا لعزك سلماً، لبيك إن عطش اللواء سكب الشباب له الدماء”، ونشيد “رددي يا جبال رددي”، ونشيد “يا أقصانا الحزين أبشر بالخلاص راجع صلاح الدين من أبناء حماس، راجع بجيوش النصر من سوريا أو من مصر”، ونشيد “غرباء”، و”قصة شهيد”، و”لبيك فداك روحي”، ونشيد “أحجار من نار”، و”حلم الأمة”، ونشيد “الإسلام هو الحل” الذي ينشده أبو عبد الملك، ونشيد “أتتني في سكون الليل”، ونشيد “أمة المليار”، و”الانتفاضة مستمرة”..
كانت اللجان الفنية داخل الجماعة بمثابة معامل تفريخ للعديد من المنشدين، الذين اخترقوا السوق الغنائية والفنية، وأغرقوها بمئات الشرائط الإسلامية، كنوع من الإحلال والتبديل للشرائط الغنائية الأخرى. وإبان ذلك، ظهرت مجموعة من المنشدين “الإخوان”، الذين نالوا شهرة وشعبية محلية داخل المنظومة الإخوانية، والذين أنشأوا وقادوا فرقاً إسلامية، تخصص بعضها في إحياء الأفراح الإخوانية.
على صعيد آخر، أخذت مجموعة من منشدي “الإخوان” شهرة عالمية، أمثال زين العابدين الكحكي، وأبو البشر، وأبو الفدا، وطارق أبو زياد، وأبو عبد الملك. وكذلك تعددت الفرق الإسلامية الإخوانية التي تخصصت في إقامة الأفراح الإخوانية، مثل فرقة “الندى” بطنطا، و”الفجر” بالمنصورة، وفرقة “نور الهدى” بالإسكندرية، و”النور” بالمنوفية.
تكشف تجربة الأناشيد داخل التيارات الحركية، وعلى رأسها جماعة “الإخوان”، أن توظيف الفن لم يكن منفصلاً عن المشروع الفكري والتنظيمي، وإنما مثَّل إحدى أدوات صناعة الوجدان والتعبئة والاستقطاب، عبر تحويل الأفكار والشعارات إلى مضامين عاطفية قادرة على التأثير في المتلقي، خاصة في مراحل عمرية مبكرة.
وتكتسب واقعة ترديد مثل هذه الأناشيد داخل مؤسسة تعليمية دينية أهمية تتجاوز حدود المشهد ذاته، لتطرح تساؤلات حول مصادر الخطاب الذي يصل إلى النشء، وآليات انتقاله، ومدى قدرة المؤسسات التعليمية على حماية المجال الديني والتربوي من أي توظيف أيديولوجي أو تنظيمي.















