بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

إسلام سياسي

بريطانيا أمام اختبار حظر “الإخوان المسلمين”.. هل ينهي تفكيك التنظيم أم يعيد تشكيل شبكاته؟

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

تقترب بريطانيا من اتخاذ قرار قد يغير قواعد التعامل مع جماعة “الإخوان المسلمين”، لكن المعركة الحقيقية لن تبدأ عند إعلان الحظر، بل في اليوم التالي له. قد يقطع إخراج التنظيم من الإطار القانوني الطريق أمام نشاطه المباشر، لكنه لن يمحو شبكة من العلاقات والمؤسسات والموارد والخبرات التي تشكلت على مدى عقود وأتاحت لأفكار الإسلام السياسي الوصول إلى المجال العام.

تكمن المعضلة التي تواجه لندن في أن “الإخوان” ليسوا مجرّد تنظيم يمكن حظره بقرار قانوني، بل شبكة قادرة على إعادة ترتيب واجهاتها ومسارات عملها كلما تغيرت البيئة القانونية. لذلك، فإن حظر الجماعة وحده لن يكون كافياً إذا لم يترافق مع تدقيق أوسع في المؤسسات المرتبطة بها، ومصادر التمويل، وقنوات التمثيل، والأنشطة التعليمية والرقمية، وإلا قد ينتهي الأمر بحظر الاسم مع بقاء الآليات التي سمحت للشبكة بالحضور والتأثير.

لندن تبحث ما بعد الحظر

يتصاعد هذا النقاش داخل “وستمنستر” وسط دعوات لاتخاذ موقف أكثر صرامة تجاه “الإخوان”، بالتزامن مع تحرك إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضد فروع محددة من الجماعة في الولايات المتحدة. وفي بريطانيا، لم يعد السؤال يدور فقط حول ما إذا كان ينبغي حظر التنظيم، وإنما حول كيفية التعامل مع شبكات يمكن أن تستمر خارج هياكلها الرسمية.

لا تبدأ لندن من فراغ. ففي العام 2015، نشرت الحكومة البريطانية نتائج مراجعة رسمية لـ”جماعة الإخوان”، خلصت إلى أنها تمثل شبكة عابرة للحدود تتسم بالتعقيد، وأشارت إلى تأثير مجموعات مرتبطة بها أو متأثرة بها في منظمات وطنية وجمعيات وبعض المساجد، فضلاً عن وجود روابط لم تكن معلنة في بعض الحالات.

وتمنح هذه السابقة الملف بعداً مختلفاً. المشكلة لم تعد في غياب المعرفة بوجود الشبكات، وإنما في كيفية تحويل هذا الفهم إلى سياسة قادرة على التعامل مع البنية التي تعمل من خلالها.

شبكة بلا مركز واضح

تفرض الطبيعة غير المركزية لـ”الإخوان” مشكلة أساسية على أي سياسة حظر. التنظيم التقليدي يمكن تحديد قيادته وأعضائه ومقراته وتمويله، بينما تتحرك الشبكات الأوسع عبر علاقات شخصية ومؤسسات قانونية متعددة، وقد لا تعلن صراحة عن ارتباطها بالجماعة.

ومن هذا المنطلق، فإنه لا ينبغي أن يتوقف التقييم الأمني عند اسم التنظيم أو العضوية الرسمية. الأهم هو تتبع العلاقات بين الأشخاص والمؤسسات، ومصادر التمويل، ومسارات النشاط، وطبيعة الأدوار التي تؤديها الكيانات المختلفة.

وهذا تحديداً ما يجعل الانتقال من “حظر جماعة” إلى “تفكيك شبكة” أكثر تعقيداً.

من التمثيل إلى التأثير السياسي

أشارت المراجعة البريطانية إلى أن جماعات مرتبطة بـ”الإخوان” أو متأثرة بها تمكنت في مراحل مختلفة من التأثير في منظمات ادعت تمثيل المسلمين، والوصول عبرها إلى قنوات الحوار مع الحكومة.

لا يعني ذلك أن كل منظمة شاركت في الحوار مع الدولة كانت واجهة لـ”الإخوان”، أو أن كل شخصية عملت فيها كانت جزءاً من التنظيم. لكن امتلاك القدرة على تقديم مؤسسة باعتبارها ممثلاً لشريحة اجتماعية واسعة يمنحها موقعاً مؤثراً في النقاش العام.

وهنا يتحول التمثيل إلى أداة للوصول إلى صناع القرار والمشاركة في المشاورات والتأثير في النقاشات المتعلقة بالدين والتعليم والسياسات الاجتماعية.

المال والمؤسسات

يحتاج أي حضور مؤسسي مستمر إلى موارد. ولذلك تمثل مصادر التمويل، والجهات المستفيدة، وآليات الإنفاق، جانباً أساساً في أي فحص أمني أو تنظيمي، خصوصاً عندما تتوافر مؤشرات قانونية تستدعي التدقيق.

ولا يعني ذلك وضع المؤسسات الإسلامية في دائرة الاشتباه بصورة جماعية، بل إخضاع المؤسسات التي تتمتع بامتيازات قانونية أو ضريبية لمعايير شفافية واضحة، أياً كانت هويتها الدينية أو السياسية.

وتزداد أهمية هذا الجانب مع إشارة المراجعة الحكومية إلى جوانب غير معلنة تتعلق بعضوية جماعة “الإخوان” وتمويلها وبعض برامجها التعليمية في بريطانيا.

التعليم وصناعة الأجيال

يختلف تأثير التعليم عن النفوذ السياسي المباشر. المؤسسات التعليمية والدينية قادرة، بحكم طبيعتها، على تشكيل الأفكار والاتجاهات على المدى الطويل.

لذلك ينبغي أن ينصب التدقيق على مضمون البرامج والجهات التي تدير المؤسسات وطبيعة المناهج والأنشطة، لا على الهوية الدينية للمؤسسة. إن وجود مدرسة أو مركز إسلامي أو مسجد لا يشكل بحد ذاته دليلاً على الارتباط بـ”الإخوان”، بينما يمثل توظيف مؤسسة دينية أو تعليمية لنشر أيديولوجيا سياسية مسألة مختلفة تستدعي التقييم وفق الأدلة والقانون.

ماذا بعد الحظر؟ الذكاء الاصطناعي يفتح جبهة جديدة

تكمن أصعب مراحل المواجهة في اليوم التالي لأي قرار بالحظر.

إذا أصبح التنظيم المركزي محظوراً، فقد تنتقل بعض الأنشطة إلى مؤسسات أخرى، أو يعاد ترتيب الهياكل والواجهات، أو يزداد الاعتماد على النشاط الفردي والرقمي. ولا يمكن افتراض أن ذلك سيحدث في كل حالة، لكنه احتمال يجعل مراقبة الالتفاف على الحظر جزءاً أساساً من أي سياسة جديدة.

حظر منظمة إجراء قانوني محدد، بينما تفكيك شبكة يحتاج إلى تتبع الأدلة التي تربط الأفراد والمؤسسات والتمويل والأنشطة ببعضها.

يزيد الذكاء الاصطناعي من صعوبة المهمة، إذ إن إنتاج المحتوى أصبح أسرع وأقل تكلفة، ويمكن إعادة صياغة الرسالة نفسها لجمهور مختلف وتوزيعها عبر عشرات القنوات من دون الحاجة إلى مؤسسة إعلامية تقليدية.

وبالتالي، فإن تقييد منظمة أو منصة لن يوقف بالضرورة تداول الأفكار المرتبطة بها. وستحتاج السلطات إلى تطبيق القانون على المحتوى والسلوك، مع التمييز بين التعبير السياسي المشروع وبين التحريض أو النشاط المتطرف.

الاختبار يبدأ بعد الحظر

تملك بريطانيا بالفعل أساساً بحثياً وسياسياً يمكن البناء عليه، لكن القرار الحاسم لن يكون في إعلان الحظر وحده. الاختبار سيكون في قدرة الدولة على معرفة ما الذي يستمر بعده، وأين ينتقل الأفراد والتمويل والنشاط، وما إذا كانت الكيانات الجديدة تمثل إعادة تأسيس حقيقية للشبكة أم مجرد مؤسسات مستقلة لا صلة لها بها.

إن نجاح أي سياسة لا يقاس بعدد الأسماء التي تُحظر، بل بقدرتها على منع التحايل على القانون، وتعزيز الشفافية، ومراقبة مصادر التمويل، وفحص المؤسسات التي توجد بشأنها أدلة ذات صلة، مع الحفاظ على الفصل الضروري بين الإسلام كدين والإسلام السياسي كمشروع أيديولوجي.

قد يحظر القانون اسم “الإخوان”، لكن ذلك لا يعني أن منظومة النفوذ ستختفي معه. المعركة الفعلية هي منع إعادة بناء الشبكة خلف أسماء وواجهات جديدة، من دون تحويل المواجهة مع أيديولوجيا سياسية إلى استهداف لدين بأكمله.