دخلت صورة الاقتصاد الأمريكي مرحلة أكثر تعقيداً. فالمشكلة لم تعد في وجود مؤشر ضعيف هنا أو قراءة سلبية هناك، بل في اتساع الفجوة بين اقتصاد لا يزال يحتفظ بقدر من الزخم الفعلي، ومستهلك أصبح أقل ثقة بقدرته على حماية دخله من ارتفاع تكاليف المعيشة.
قراءتان صدرتا الجمعة 14 أغسطس/آب تختصران هذه المفارقة. الأولى من جامعة ميشيغان، حيث هبط مؤشر ثقة المستهلك في القراءة الأولية لأغسطس إلى 51 نقطة من 55.2 نقطة في يوليو، منهياً شهرين من التحسن، وجاء أيضاً أقل بوضوح من توقعات الاقتصاديين البالغة 54.5 نقطة. أما الثانية فمن مكتب الإحصاء الأمريكي، الذي أظهر أن مخزونات الشركات لم تسجل تغيراً في يونيو/حزيران، بينما انخفضت المبيعات الإجمالية للشركات 1.1% خلال الشهر.
تآكل الدخل يغيّر سلوك المستهلك
للوهلة الأولى، تبدو الرسالة مباشرة: المستهلك يضعف، والمبيعات تتراجع، والاقتصاد يتجه نحو فقدان الزخم. لكن الصورة أكثر تعقيداً من ذلك.
بيانات جامعة ميشيغان تكشف أن القلق لا يتعلق فقط بما حدث للاقتصاد، بل بما تتوقع الأسر حدوثه لاحقاً. فقد تراجعت توقعات المستهلكين بشأن ظروف الأعمال قصيرة الأجل بنحو 11%، والظروف طويلة الأجل بنحو 17%. والأكثر دلالة أن 8% فقط من المستهلكين يتوقعون أن ينمو دخلهم بوتيرة تتجاوز التضخم خلال العام المقبل.
هذه النسبة ربما تكون أكثر أهمية من الرقم الرئيسي للثقة نفسه. فالمستهلك الذي يعتقد أن دخله سيفقد قوته الشرائية لا يحتاج إلى دخول الاقتصاد في ركود فعلي حتى يبدأ تغيير سلوكه. يكفي أن يتوقع ضيقاً مالياً مستقبلياً حتى يصبح أكثر حذراً في الإنفاق، وأكثر حساسية للأسعار، وأقل استعداداً للالتزامات الكبيرة.
وهنا يبدأ الخطر الحقيقي بالنسبة للاقتصاد الأميركي: انتقال ضعف المزاج الاقتصادي إلى ضعف في الطلب الفعلي. لكن هذا الانتقال لم يكتمل بعد.
التضخم يعود من بوابة التوقعات
المشكلة الثانية التي تكشفها قراءة ميشيغان تتعلق بالتضخم. فقد ارتفعت توقعات المستهلكين للتضخم خلال العام المقبل إلى 4.3% من 4.2% في يوليو/تموز، بينما استقرت التوقعات طويلة الأجل عند 3.3% للشهر الثالث على التوالي. وتؤكد القراءة أن مستوى توقعات العام الواحد ما يزال أعلى بكثير مما كان عليه قبل تصاعد التوترات المرتبطة بالصراع مع إيران.
وهذه تحديداً هي المنطقة التي تجعل تقرير الجمعة غير مريح للاحتياطي الفيدرالي. فلو كانت الثقة تتراجع بينما تنخفض توقعات التضخم بقوة، لكانت الرسالة النقدية أسهل: الطلب يفقد قوته، والضغوط السعرية تنحسر، وبالتالي تتسع مساحة السياسة النقدية الأقل تشدداً. أما عندما يضعف المستهلك وفي الوقت نفسه يعتقد أن الأسعار ستواصل الارتفاع بوتيرة مرتفعة، تصبح المعادلة أكثر حساسية.
الفيدرالي لا ينظر فقط إلى التضخم الفعلي، بل يراقب أيضاً ما إذا كانت توقعات الأسر بشأن الأسعار ستترسخ. لأن توقع التضخم يمكن أن يتحول تدريجياً إلى مطالبات بأجور أعلى، تسعير أكثر دفاعية من الشركات، وقرارات استهلاكية واستثمارية مبنية على الاعتقاد بأن الأسعار لن تعود سريعاً إلى الاستقرار.
بمعنى آخر، بيانات الجمعة لا تمنح الفيدرالي إشارة واضحة إلى التيسير، بل تضعه أمام مفاضلة أصعب بين تباطؤ محتمل في الطلب وتوقعات تضخم لا تزال مرتفعة.
ماذا تقول المخزونات فعلياً؟
القراءة الثانية تحتاج إلى قدر أكبر من الحذر. فقد أظهر مكتب الإحصاء أيضاً أن إجمالي مخزونات المصنعين وتجار الجملة والتجزئة بلغ 2.74 تريليون دولار في يونيو، من دون تغيير فعلي عن مايو/أيار، بينما ارتفع 3% مقارنة بالعام السابق. وفي المقابل، انخفضت مبيعات الشركات إلى نحو 2.11 تريليون دولار، بتراجع شهري قدره 1.1%، وقفزت نسبة المخزون إلى المبيعات إلى 1.30 من 1.28 في مايو.
هبوط المبيعات مهم، لكنه لا يكفي لإعلان بداية دورة انكماش. فالمخزونات نفسها جرى سحبها خلال عدة فصول سابقة، وهو ما ارتبط جزئياً بقوة الطلب المحلي والاستثمار، كما أن مخزونات التجزئة انخفضت 0.2% في يونيو، بينما ارتفعت مخزونات تجار الجملة 0.2% ومخزونات المصنعين 0.1%.
وهذا يعني أن الاقتصاد لا يعاني حتى الآن من تراكم واسع وغير طبيعي للبضائع غير المباعة، وهي إحدى الإشارات التقليدية التي تسبق اضطرار الشركات إلى خفض الإنتاج والتوظيف.
لكن ارتفاع نسبة المخزون إلى المبيعات، بالتزامن مع هبوط المبيعات، يستحق المراقبة. فإذا استمر هذا الاتجاه خلال الأشهر المقبلة، فقد تتحول المسألة من حركة شهرية إلى إشارة أكثر جدية بشأن تباطؤ دورة الطلب.
المستهلك هو نقطة الاختبار
لذلك، لا تقول بيانات الجمعة إن الاقتصاد الأميركي دخل الركود. لكنها تقول شيئاً ربما يكون أكثر أهمية للأسواق في المرحلة الحالية: المستهلك، الذي مثّل أحد أهم أعمدة صمود الاقتصاد الأميركي، أصبح أكثر قلقاً بشأن المستقبل وقوته الشرائية.
هذه ليست بعد أزمة إنفاق، لكنها قد تكون مقدمتها إذا بدأت توقعات الأسر السلبية تنعكس بصورة متكررة على المبيعات والاستهلاك الحقيقي.
ومن هنا تصبح البيانات المقبلة حول الإنفاق الشخصي، وسوق العمل، والأجور والتضخم أكثر حساسية من المعتاد. لأن السؤال الذي تحاول الأسواق الإجابة عنه لم يعد فقط: هل يتراجع التضخم؟ بل أصبح: هل يستطيع الاقتصاد خفض التضخم من دون أن يفقد المستهلك في الطريق؟
الفيدرالي بين ضعف الطلب ومخاوف التضخم
هذه هي المعادلة التي ستحدد الخطوة التالية للفيدرالي. بالنسبة للأسواق، فإن استمرار ضعف مؤشرات الطلب قد يضغط على عوائد سندات الخزانة والدولار ويدعم الأصول المستفيدة من تراجع توقعات الفائدة، بما فيها الذهب وبعض أسهم النمو. لكن ارتفاع توقعات التضخم يضع سقفاً لهذا السيناريو، لأنه يمنع المستثمرين من التعامل مع كل قراءة ضعيفة باعتبارها طريقاً مباشراً إلى سياسة نقدية أكثر تيسيراً.
وفي اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على إنفاق الأسر، فإن تغير المزاج لا يصبح خبراً اقتصادياً مهماً عندما يظهر في استطلاع واحد، بل عندما يبدأ في التحول إلى قرار: تأجيل شراء، خفض إنفاق، أو إعادة ترتيب الأولويات. بيانات أغسطس تقول إن هذه المرحلة تستحق المراقبة عن كثب.















