أعاد تقدم حركة “إم 23” وسيطرتها على مفاصل لوجستية جديدة في إقليم شمال كيفو الأسبوع الماضي، تسليط الضوء على التحول العميق الذي تشهده منطقة البحيرات الكبرى، حيث لم يعد الصراع في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية نزاعاً محلياً بين حكومة وجماعات متمردة، بل بات ساحة مفتوحة لتنافس إقليمي معقد تتداخل فيه الحسابات الأمنية والمصالح الاقتصادية والصراعات على الموارد الاستراتيجية.
يشير التقدم الميداني للحركة إلى أن المعركة انتقلت تدريجياً من السيطرة على المدن والقرى إلى استهداف محاور الإمداد البرية والطرق التجارية وشبكات التهريب التي تربط شرق الكونغو بالموانئ والأسواق الإقليمية، في تطور يعيد إلى الأذهان مشاهد “حروب الكونغو” في تسعينيات القرن الماضي عندما تحولت البلاد إلى مسرح مواجهة غير مباشرة بين عدة جيوش إفريقية.
من تمرد محلي إلى صراع إقليمي
تشهد منطقة البحيرات الكبرى تحولاً جيوسياسياً يعيد تعريف معادلة الأمن والنفوذ في وسط وشرق إفريقيا. العلاقات المتشابكة بين الكونغو الديمقراطية ورواندا وأوغندا وبوروندي لم تعد تسمح بحصر أي أزمة داخل حدود دولة واحدة، إذ سرعان ما تمتد تداعياتها عبر الحدود بفعل الروابط الأمنية والاقتصادية والإثنية.
انتقلت المنطقة من مرحلة التمردات المحلية المعزولة إلى نمط أكثر تعقيداً من المواجهات غير المباشرة، تُدار فيه الصراعات عبر وكلاء محليين وضغوط اقتصادية وتدخلات لوجستية عابرة للحدود، ما جعل العواصم الإقليمية جزءاً من معادلة الصراع بدلاً من أن تكون مجرد وسطاء في تسويته.
هذا التشابك يحد من فرص نجاح أي حلول محلية، إذ أصبحت جذور الأزمة مرتبطة بتوازنات إقليمية أوسع تتعلق بالنفوذ والمصالح الاقتصادية وممرات التجارة.
معركة المعادن والشرايين الاقتصادية
تحتل الموارد الطبيعية موقعاً مركزياً في المشهد الحالي. شرق الكونغو الديمقراطية يضم بعضاً من أكبر احتياطيات العالم من الكولتان والكوبالت والقصدير والذهب، وهي معادن أساسية في الصناعات التكنولوجية وسلاسل الطاقة النظيفة.
ومع الارتفاع المستمر في الطلب العالمي على هذه الموارد، تحولت مناطق التعدين إلى بؤر تنافس تتداخل فيها مصالح الجماعات المسلحة مع شبكات تجارية إقليمية ودولية، بينما باتت السيطرة على المناطق الحدودية مرتبطة بإدارة طرق التصدير ومحاور النقل أكثر من ارتباطها بالاعتبارات العسكرية التقليدية.
إن السيطرة على الموارد لم تعد مجرد نتيجة للصراع، بل أصبحت أحد دوافعه الرئيسية، الأمر الذي أضفى على الأزمة بعداً جيوسياسياً يتجاوز حدود المنطقة ويربطها مباشرة بحركة الأسواق العالمية ومصالح الشركات العابرة للحدود.
يرى الصحفي المتخصص في شؤون البحيرات الكبرى والقرن الأفريقي أتيم سايمون، أن “النزاع في شرق الكونغو تجاوز إطاره التقليدي كصراع بين الحكومة والجماعات المسلحة، ليصبح ساحة تتقاطع فيها المصالح الأمنية والاقتصادية والسياسية لدول الإقليم، الأمر الذي أسهم في تحويله إلى أزمة إقليمية تتجاوز حدود الكونغو الديمقراطية”.
ويقول سايمون إن “التوترات المتصاعدة بين الكونغو الديمقراطية ورواندا، إلى جانب الأدوار المتزايدة لأوغندا وبوروندي، تشير إلى أن المنطقة تشهد إعادة تشكيل تدريجية للتحالفات الأمنية والاستراتيجية، بما يجعل الصراع جزءاً من معادلة جيوسياسية أوسع تتجاوز الحدود الكونغولية”.
أزمة أمنية تتجاوز الحدود
كشفت التطورات الأخيرة أيضاً محدودية الأطر الأمنية والإقليمية القائمة في احتواء الأزمة. فعلى الرغم من تعدد المبادرات الدبلوماسية والوساطات السياسية، لا تزال الجماعات المسلحة قادرة على تعزيز مواقعها وتوسيع نطاق عملياتها.
في هذا السياق يمكن وصف هذا الواقع بأنه حالة من “التعايش بين الحرب والدبلوماسية”، حيث تستمر المفاوضات السياسية بالتوازي مع العمليات العسكرية، دون أن ينجح أي من المسارين في فرض واقع مستقر على الأرض.
ويزيد من تعقيد المشهد الطابع العابر للحدود للروابط الإثنية والاجتماعية بين الكونغو ورواندا وبوروندي وأوغندا، ما يجعل أي اضطراب محلي قابلاً للتحول سريعاً إلى أزمة إقليمية بفعل الامتدادات السكانية وشبكات النفوذ المتداخلة.
صعود الصراع الهجين
تشير التقديرات العسكرية إلى بروز نمط متقدم من “الصراع الهجين”، تتداخل فيه العمليات المسلحة مع أدوات الضغط الاقتصادي والحملات الإعلامية والمنعطفات اللوجستية غير المباشرة، لتصبح الحدود الفاصلة بين الحرب الأهلية والصراع الإقليمي أقل وضوحاً من أي وقت مضى.
في هذا الصدد، يمكن الإجماع على أن استقرار منطقة البحيرات الكبرى لن يتحقق عبر المقاربات العسكرية وحدها، بل يتطلب معالجة الأسباب البنيوية للأزمة، وفي مقدمتها التنافس على الموارد، وضعف الحوكمة الأمنية، وتآكل الثقة بين الدول المجاورة.
مع استمرار هذه المعطيات، تبدو المنطقة مقبلة على مرحلة إعادة رسم موازين القوى، حيث لن يتحدد مستقبل الصراع داخل الحدود الكونغولية فقط، بل من خلال قدرة دول الإقليم على التوفيق بين متطلبات الأمن المشترك ومصالح التكامل الاقتصادي، في معادلة ستؤثر على المشهد الاستراتيجي لوسط وشرق إفريقيا لسنوات طويلة مقبلة.















