بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

إسلام سياسي

تحقيق أموال اللاجئين يفتح ملف مخاوف تمويل الإرهاب وشبكات النفوذ المرتبطة بـ “كير” الإخوانية في كاليفورنيا

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

يفتح تحقيق فيدرالي جديد حول أموال اللاجئين الأفغان في الولايات المتحدة الباب أمام تجدد المخاوف المرتبطة بإمكانية استغلال برامج المساعدات الحكومية والمنظمات غير الربحية كقنوات محتملة للالتفاف على أنظمة الرقابة المالية، وسط مطالبات سياسية وأمنية بالتحقق من سلامة مسار هذه الأموال وعدم وصول أي جزء منها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى جهات أو شبكات يُشتبه بارتباطها بحركات متطرفة.

وضعت وزارة الصحة والخدمات الإنسانية الأمريكية مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية في كاليفورنيا (CAIR-CA)، المرتبط تاريخياً بجماعة “الإخوان المسلمين”، تحت مجهر التدقيق بشأن عشرات ملايين الدولارات التي حصل عليها ضمن برامج ممولة من المال العام.

وتحول الملف سريعاً من قضية مرتبطة بخدمات اللاجئين إلى اختبار أوسع لفعالية منظومة الرقابة الأمريكية على الأموال العامة، في وقت تتزايد فيه الحساسية تجاه أي ثغرات محتملة يمكن أن تسمح بإساءة استخدام التمويل الحكومي أو توظيفه خارج الأهداف التي خُصص لها.

27 مليون دولار تحت المجهر

يرتكز التحقيق على أكثر من 27 مليون دولار من الأموال ذات المصدر الفيدرالي التي وصلت إلى “كير – كاليفورنيا” عبر إدارة الخدمات الاجتماعية في الولاية ضمن برنامج الخدمات القانونية للأفغان الذين دخلوا الولايات المتحدة بعد الانسحاب الأمريكي من أفغانستان العام 2021.

كان الهدف المعلن للبرنامج تقديم الدعم القانوني للاجئين، بما يشمل تسوية أوضاعهم القانونية ولمّ شمل العائلات ومتابعة ملفات الهجرة. إلا أن طبيعة الأموال العامة دفعت الجهات الفيدرالية إلى مراجعة مسار الإنفاق وآليات الإشراف للتأكد من التزامها الكامل بالشروط القانونية والتنظيمية.

ولا تكمن أهمية القضية في حجم الأموال فقط، بل في أنها ترتبط ببرامج إعادة التوطين التي شهدت تدفقات مالية ضخمة خلال السنوات الأخيرة، ما جعلها موضع اهتمام متزايد من الأجهزة الرقابية واللجان البرلمانية.

تدقيق يتجاوز الحسابات المالية

التحقيقات الحالية لا تقتصر على مراجعة السجلات المحاسبية، بل تمتد إلى البنية التنظيمية والإدارية لبعض الجهات المشاركة في البرنامج. وتشمل المراجعات مزاعم تتعلق بآليات إدارة المنح الفرعية ومدى الالتزام بالشروط الفيدرالية الخاصة بتقديم الخدمات القانونية للمهاجرين واللاجئين.

ويعكس ذلك توجهاً أمريكياً متنامياً نحو تشديد الرقابة على المنظمات غير الربحية التي تتعامل مع أموال حكومية، بحيث لا تقتصر المحاسبة على كيفية الإنفاق، بل تشمل أيضاً الهياكل التنظيمية ومستوى الامتثال والشفافية والحوكمة الداخلية.

بالنسبة للسلطات الأمريكية، فإن أي خلل إداري أو تنظيمي في البرامج الممولة حكومياً قد يثير تساؤلات تتجاوز الجوانب التقنية ليصل إلى مستوى المساءلة القانونية والسياسية.

الجدل المستمر حول “كير”

لا يمكن فصل التحقيق الحالي عن الجدل الطويل المحيط بمجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية. فالمنظمة تُعد من أبرز المؤسسات الإسلامية الناشطة في الولايات المتحدة، لكنها واجهت على مدى سنوات انتقادات متكررة من شخصيات سياسية ومراكز أبحاث محافظة تتهمها بالحفاظ على علاقات فكرية أو تنظيمية مع تيارات الإسلام السياسي مثل تنظيم “الإخوان المسلمين”.

كما شهدت السنوات الماضية مطالبات متكررة بإعادة فحص مصادر التمويل والعلاقات المؤسسية للمجلس، خصوصاً مع تصاعد الجدل الأمريكي حول دور بعض المنظمات الإسلامية في التأثير على السياسات العامة أو الاستفادة من التمويل الحكومي.

وعلى الرغم من أن السلطات الأمريكية لم تصنف “كير” منظمة إرهابية، فإن اسمها ظل حاضراً في النقاشات المرتبطة بملفات الأمن القومي والتطرف والإسلام السياسي، الأمر الذي يفسر حجم الاهتمام السياسي والإعلامي بالتحقيق الجاري حالياً.

هواجس تمويل الإرهاب

البعد الأكثر حساسية في القضية يتعلق بمخاوف تمويل الإرهاب. فبعض الجهات السياسية والرقابية تطالب بالتأكد من عدم وصول أي جزء من الأموال الفيدرالية بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى جهات متطرفة أو أفراد مرتبطين بمنظمات مصنفة إرهابية.

وتستند هذه المطالبات إلى سياسة أمريكية راسخة تقوم على تتبع حركة الأموال العامة ومنع استخدامها في أي أنشطة يمكن أن تتعارض مع قوانين مكافحة الإرهاب وتمويله. ومن هنا، فإن التحقيق لا يهدف فقط إلى التحقق من سلامة الإنفاق، بل أيضاً إلى التأكد من عدم وجود أي ثغرات يمكن استغلالها خارج الأطر القانونية المحددة.

وتواجه “كير” مجموعة من الدعاوى والقضايا في عدة ولايات تهدف إلى حظر نشاط المنظمة، تستند إلى اتهامات بنشر أيديولوجيات متطرفة والعمل كـ “واجهة أمريكية” لمشروع الإسلاموية السياسية المرتبط تاريخياً بجماعة “الإخوان المسلمين”.

تسعى الدعاوى إلى سحب صفة “منظمة غير الربحية” ومنع “كير” من العمل، في خطوة تعكس تصعيداً غير مسبوق في التعامل مع منظمة مدنية يُنظر إليها بوصفها فاعلاً مثيراً للجدل في “المنطقة الرمادية” بين النشاط الحقوقي والخطاب الأيديولوجي.

في المقابل، تنفي “كير” جميع الاتهامات المتعلقة بالتطرف أو إساءة استخدام الأموال، وتؤكد أن المنح خضعت لرقابة حكومية مستمرة وأن الأموال استُخدمت حصراً في تقديم خدمات قانونية وإنسانية للاجئين الأفغان.

تداعيات تتجاوز كاليفورنيا

بعيداً عن مصير “كير”، قد تترك نتائج التحقيق آثاراً أوسع على قطاع المنظمات غير الربحية في الولايات المتحدة. فإذا كشفت المراجعات عن مخالفات جوهرية، فقد تتجه الحكومة الفيدرالية إلى تشديد شروط الحصول على المنح وزيادة متطلبات التدقيق والرقابة على برامج إعادة التوطين والهجرة.

أما إذا انتهت التحقيقات إلى تأكيد سلامة الإجراءات المالية والإدارية، فقد تحصل المنظمة على دفعة قانونية وسياسية مهمة في مواجهة الانتقادات التي تواجهها منذ سنوات.

في الحالتين، يكشف الملف عن اتجاه متصاعد داخل الولايات المتحدة نحو التعامل مع برامج المساعدات والهجرة باعتبارها جزءاً من منظومة الأمن القومي، وليس مجرد برامج اجتماعية أو إنسانية. كما يؤكد أن التدقيق في مسارات الأموال العامة أصبح أداة أساسية في مواجهة مخاطر الاحتيال وسوء الإدارة وأي شبهات محتملة تتعلق بالتطرف أو تمويل الإرهاب.

وبينما لا تزال التحقيقات مستمرة ولم تصدر نتائج نهائية بعد، فإن قضية “كير – كاليفورنيا” تحوّلت إلى اختبار مهم لقدرة المؤسسات الأمريكية على الموازنة بين دعم العمل المدني وحماية المال العام وضمان عدم استغلال برامج المساعدات الحكومية في أنشطة تتعارض مع المصالح الأمنية للدولة.