بقلم: حنان المنوري
بقلم: حنان المنوري

مقالات مشابهة

تقرير اقتصادي

بين ضغوط الداخل والخارج.. الاقتصاد الفرنسي يفقد زخمه وانكماش مُتجدد يرفع احتمالات الركود التقني

بقلم: حنان المنوري
بقلم: حنان المنوري

بين رياح معاكسة داخلية وأخرى خارجية، يتراجع زخم ثاني أكبر اقتصاد في منطقة اليورو، مع تزايد مخاطر اقترابه من ركود تقني خلال الربع الثاني من العام الجاري. ووفقاً لأحدث بيانات المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية في فرنسا (INSEE)، خُفّض تقدير نمو الناتج المحلي الإجمالي للبلاد في الربع الأول إلى -0.1% من 0%، في أداء أضعف من اقتصادات كبرى أخرى في منطقة اليورو، مثل ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا.

يضع هذا التعديل فرنسا في وضع غير مواتٍ مقارنة بالأرقام التي سجلتها ألمانيا (0.3%) وإيطاليا (0.2%) وإسبانيا (0.6%)، لا سيما أن بيانات الناتج المحلي الإجمالي الفرنسي للربع الأول كشفت انخفاضاً في الإنفاق الاستهلاكي، وتراجعاً في استثمارات الشركات، فيما كان للتجارة دور سلبي بارز في هذا الأداء بعدما انخفضت الصادرات بشكل ملحوظ. وقد عزا وزير الاقتصاد والمالية الفرنسي، رولان ليسكور، التباطؤ الذي سُجّل في بداية العام جزئياً إلى حالة عدم اليقين التي أحاطت بتأخير إقرار الميزانية، وما خلقته من تردد لدى الشركات والأسر.

نحو ركود تقني: ربع آخر من الانكماش

مع وضوح آثار حرب إيران بشكل جليّ، لا تبدو المؤشرات التي ظهرت خلال الربع الثاني مشجعة. فعلى مدى شهري إبريل\نيسان ومايو\أيار، تراجعت القدرة الشرائية للأسر في فرنسا، وارتفع معدل الادخار مجدداً، فيما انخفض الاستهلاك ليس فقط لمنتجات الطاقة، بل تباطأ الإنفاق على السلع المصنعة بشكل حاد أيضاً، في حين أظهر الإنفاق على السلع المعمرة انعكاساً واضحاً في الاتجاه.

ذكرت مؤسسة “أكسفورد إيكونوميكس”، أن “التدهور السريع في استطلاعات الرأي، لا سيما في قطاع الخدمات، يعني أن فرنسا مُعرّضة لخطر الدخول في ركود تقني خلال الربع الثاني”، مشيرة إلى أن توقعاتهم للناتج المحلي الإجمالي لهذا الربع “محاطة بمخاطر التراجع”. ويُقصد بالركود التقني تسجيل انكماش اقتصادي على مدى ربعين متتاليين.

أما أحدث توقعات “سوسيتيه جنرال” لنمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لفرنسا في الربع الثاني، فتُشير إلى تسجيل معدل نمو شبه صفري. وقال البنك الفرنسي: “ما زلنا واثقين من هذا الرقم، ونرى مخاطر في كلا الاتجاهين، حيث أصبح الركود التقني احتمالاً وارداً، وإن لم يكن السيناريو الأرجح بعد”.

اقتصاد يفقد الزخم

أظهر اقتصاد فرنسا نمواً بين العامين 2023 و2024، مع استمرار تعافي الإنتاج الذي فُقد خلال الجائحة. منذ ذلك الحين، توقف الزخم بشكل حاد، ولم يُسجل سوى نمو بنسبة 0.9% في العام 2025. ومع حلول العام 2026، أصبح من الصعب تجنب رقم أقل، إذ لا توجد مؤشرات تذكر على حدوث تسارع قوي في بقية العام وسط تعقيدات المشهد الاقتصادي عالمياً.

وفي ظل بيئة مالية بالغة الصعوبة، حيث تسعى الحكومة الفرنسية لخفض العجز إلى 5% هذا العام، لا مجال عملياً لتدابير تحفيز مالي إضافية. ومع هذه الأرقام والتوقعات، يبدو هدف الحكومة الفرنسية لنمو بنسبة 0.9% هذا العام بعيد المنال، بينما يمثل نموٌّ بنحو 0.6% السيناريو الأمثل، وفقاً لبنك الاستثمار ING.

على الرغم من أن جميع دول منطقة اليورو الكبرى تواجه تحديات، لأسباب مختلفة، تبدو التوقعات الفرنسية قاتمة. ووفقاً للمفوضية الأوروبية، من المتوقع أن يصل العجز في فرنسا إلى 5.1% هذا العام و5.7% في العام 2027. ومن المتوقع أيضاً أن يرتفع الدين العام إلى 118% من الناتج المحلي الإجمالي في 2026، وإلى 120% في العام 2027. ومع اقتراب الانتخابات الرئاسية وعدم وجود أغلبية برلمانية واضحة، من المرجح أن تظل الاستدامة المالية مصدر قلق رئيس خلال الأشهر المقبلة.

حرب إيران وتعقيدات المشهد

تواجه فرنسا، التي لطالما اعتُبرت من الدول ذات العجز المالي الأكبر في منطقة اليورو، ضغوطاً من بروكسل لاستعادة استدامة ماليتها العامة. وحتى قبل اندلاع حرب إيران في 28 فبراير/شباط الماضي، كانت البلاد تُعاني من وضع اقتصادي ومالي صعب، يتسم بعجز وديون من بين الأسوأ في الاتحاد الأوروبي؛ إلا أن تداعياتها ذات البعد العالمي عقّدت المشهد أكثر، خاصة أن إحدى القضايا الرئيسة في الحرب تتمحور حول مضيق هرمز، الذي كانت تمر عبره نحو خُمس تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال عالمياً قبل بدء التصعيد.

قدّر وزير الاقتصاد والمالية الفرنسي أن الحرب في الشرق الأوسط ستُكلّف البلاد ما بين 4 و6 مليارات يورو. وفي تصريحات إعلامية، أوضح أن تأثير النزاع على الدين العام وحده سيبلغ نحو 3.6 مليار يورو، عازياً ذلك إلى ارتفاع أسعار الفائدة.

أوضحت بيانات  المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية أيضاً، أنه بنهاية العام الماضي، بلغ الدين العام الفرنسي مستوى قياسياً جديداً قدره 3.46 تريليون يورو، وبأن إجمالي الدين العام سجل 115.6% من الناتج المحلي الإجمالي، ارتفاعاً من 112.6% بنهاية العام 2024 و109.5% بنهاية 2023. وقد زاد هذا الدين بأكثر من 150 مليار يورو خلال 2025، مدفوعاً بشكل أساسي بزيادة الاقتراض الحكومي عبر سندات قصيرة وطويلة الأجل. 

فبعدما استفادت فرنسا في الفترة بين العامين 2019 و2020 من أسعار فائدة منخفضة للغاية، حيث كان الاقتراض شبه مجاني، بات الدين الهائل المتراكم على مدى عقود قنبلة مالية وسياسية موقوتة، في وقت أدت فيه القفزة في أسعار النفط وتزايد التوقعات بارتفاع التضخم إلى صعود عوائد السندات الحكومية عالمياً؛ فكلما ارتفعت أسعار الفائدة، ثقل عبء الدين أكثر على ميزانية فرنسا.

ومن المتوقع أن تصل خدمة الدين (إنفاق الدولة على فوائد الدين) إلى نحو 60 مليار يورو في العام 2026، وفق تقديرات وزارة الاقتصاد والمالية الفرنسية، ما يجعلها أحد أكبر البنود الفردية في الميزانية الوطنية.

بين الانكماش والبطالة والعجز المرتفع، تضاف الضغوط الخارجية إلى تحديات الاقتصاد الفرنسي، رغم بقاء أسسه العامة متينة. وتبقى استعادة الزخم رهينة بعودة الاستقرار السياسي أولاً، وبقدرة الحكومة على خفض الدين العام وضبط الإنفاق وتنفيذ إصلاحات هيكلية، إلى جانب دعم القطاعات ذات النمو المرتفع، مثل الدفاع والطاقة النظيفة والتكنولوجيا.