بقلم محرّر الشؤون الثقافية: حمّوش أبوبكر
بقلم محرّر الشؤون الثقافية: حمّوش أبوبكر

مقالات مشابهة

ثقافة

فرنسا تحتضن معرض “كافكا في فلسطين”.. صاحب “المَسخ” يعبر جدار الفصل الإسرائيلي

بقلم محرّر الشؤون الثقافية: حمّوش أبوبكر
بقلم محرّر الشؤون الثقافية: حمّوش أبوبكر

في مدينة تونير الفرنسية، لا يحضر فرانز كافكا هذه الأيام بوصفه أحد كبار كتّاب القرن العشرين فحسب، بل بوصفه شاهداً متخيّلاً على مأساة لا تزال تتجدّد. هناك، افتتح الفنان التشكيلي الفلسطيني أحمد حميدات معرضه الجديد، مستعيداً الكاتب التشيكي من أرشيف الأدب العالمي ليضعه في مواجهة المشهد الفلسطيني، حيث تبدو الكوابيس الكافكوية أقل غرابة من الواقع نفسه.

في إحدى اللوحات، يطلّ وجه كافكا محتلاً معظم المساحة البصرية، فيما يتسرّب من أسفل فكه مشهد فلسطيني مقلوب تتوسطه كتلة جدار الفصل العنصري. ليست مصادفة تشكيلية عابرة، بل بناء رمزي يختصر فكرة المعرض بأكملها: ماذا لو نظر كافكا إلى فلسطين اليوم؟ هل كان سيجد في أرض الجدران والحواجز والمحاكم العسكرية مادة أكثر قسوة من تلك التي نسج منها عوالمه الروائية؟

كافكا بين الاغتراب والواقع الفلسطيني

من “المحاكمة” إلى “في مستعمرة العقاب”، ظلّ كافكا يكتب عن الإنسان المحاصر داخل منظومات غامضة، لا يعرف أسباب اتهامه ولا ملامح جلّاده. عالم تتحوّل فيه السلطة إلى متاهة، والقانون إلى لغز، والوجود إلى عبء ثقيل. وهي ثيمات يجد فيها حميدات ما يتجاوز الأدب إلى الواقع الفلسطيني اليومي، حيث يواجه الفرد شبكة من الإجراءات والحدود والقرارات التي تبدو، في كثير من الأحيان، عصيّة على الفهم بقدر ما هي قاسية ومُجحفة.

غير أن استدعاء كافكا هنا لا يتوقف عند حدود التماثل الوجودي بين النص والواقع. فالفنان يذهب أبعد من ذلك، إلى سيرة الكاتب نفسه وموقعه من الأفكار الصهيونية التي كانت تتبلور في أوروبا مطلع القرن العشرين. وعلى الرغم من انتمائه اليهودي، لم يكن كافكا منخرطاً في الحماسة الصهيونية التي اجتاحت أوساطاً واسعة من يهود أوروبا آنذاك، وهو ما يمنح حضوره في المعرض معنى إضافياً يتصل بإعادة قراءة التاريخ خارج السرديات الجاهزة.

وتكتسب الإشارة إلى قصة “بنات آوى والعرب” دلالة خاصة في هذا السياق. فالنص الذي كُتب قبل أكثر من قرن لا يزال يستفز القراءات النقدية، بما يطرحه من أسئلة حول صورة الشرق في المخيال الأوروبي، وحول الأدوار التي لعبتها القوى الاستعمارية في إنتاج النزاعات وإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية للمنطقة. لذلك لا تظهر القصة في المعرض باعتبارها مرجعاً أدبياً فحسب، بل بوصفها نافذة للتأمل في أسئلة ما تزال مفتوحة حتى اليوم.

فضاء فلسطيني معاصر

ما ينجزه أحمد حميدات في هذا المعرض ليس ترجمة بصرية لأعمال كافكا، بل نقلٌ للمفهوم الكافكوي نفسه إلى الفضاء الفلسطيني المعاصر. ذلك الشعور بالاختناق أمام سلطة مجهولة، والاغتراب داخل المكان، والعجز عن بلوغ العدالة، يتحول في اللوحات إلى لغة بصرية تستعير من الأدب أدواته الرمزية، لكنها تستند إلى وقائع ملموسة من الحياة الفلسطينية.

هكذا يغادر كافكا صفحات الرواية ليقف أمام جدار الفصل الإسرائيلي. وبين الوجه المرسوم والمشهد الفلسطيني المقلوب، تتلاشى المسافة بين الخيال والواقع، ليبدو السؤال الذي طرحه الأدب قبل قرن أكثر إلحاحاً اليوم: كيف يمكن للإنسان أن يحافظ على إنسانيته داخل عالم يزداد عبثاً يوماً بعد يوم؟