الخرطوم - كمال كروري
الخرطوم - كمال كروري

مقالات مشابهة

تقرير إخباري

ضربة مزدوجة لـ”داعش” في الساحل الإفريقي.. نيجيريا و”أفريكوم” تعيدان رسم معركة الإرهاب وسط مخاوف من فراغ أمني متصاعد

الخرطوم - كمال كروري
الخرطوم - كمال كروري

في تطور لافت لمسار الحرب على الإرهاب في منطقة الساحل، تلقى تنظيم “داعش” أكبر خسارة له خلال يومين، بعدما أعلن الناطق الرسمي باسم وزارة الدفاع النيجيرية، الجنرال سامايلا أوبا، مقتل أكثر من 175 من عناصر التنظيم في شمال شرق البلاد، خلال عملية مشتركة مع القوات الأمريكية.

لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت العملية ستتوسع لتخاطب المخاوف الدولية المتزايدة بشأن نجاعة الجهود الحالية لمكافحة الإرهاب، خصوصًا بعد التصريحات التي أدلى بها قائد القيادة الأمريكية الموحدة في إفريقيا “أفريكوم”، الجنرال داغفين أندرسون، والتي شكك فيها بقدرة قواته على مواجهة المد الإرهابي المتصاعد في منطقة الساحل، في ظل فقدان أكثر من 75% من القوة الأمريكية هناك، عقب الانسحابات الدولية من المنطقة بعد موجة الانقلابات بين عامي 2020 و2022.

بعد يومين فقط من تصريحات أندرسون، بدأت قواته، بالتنسيق مع الحكومة النيجيرية، عملية واسعة، هي الأكبر منذ ديسمبر/كانون الأول الماضي، لاستهداف معاقل “داعش” في نيجيريا، أسفرت عن مقتل الرجل الثاني في التنظيم عالميًا، أبو بلال المنكي.

ومنذ نهاية عام 2022، أدى الانهيار المستمر للدعم الدولي لمكافحة الإرهاب، إلى جانب ضعف القيادة الإقليمية، إلى خلق فراغ أمني استغلته جماعات إرهابية مثل “داعش” و”نصرة الإسلام والمسلمين”، التي كثفت هجماتها ضد القوات الحكومية والمدنيين، مستفيدة من هشاشة الحدود وضعف مؤسسات الدولة في عدد من بلدان الساحل.

عملية منسقة وحدث فارق

قال المتحدث باسم الجيش النيجيري إن عمليات برية وجوية منسقة، شاركت فيها قوات من الجيش النيجيري و”أفريكوم”، أسفرت كذلك عن تدمير نقاط تفتيش تابعة لداعش، ومخازن أسلحة، ومراكز لوجستية، ومعدات عسكرية، إضافة إلى شبكات مالية كانت تدعم أنشطة التنظيم.

من بين الشخصيات التي تم تحييدها أيضًا، “عبد الوهاب”، وهو قيادي بارز في تنظيم داعش في غرب إفريقيا، ومسؤول عن تنسيق الهجمات والدعاية، و”أبو موسى المنجوي”، العضو البارز في التنظيم، إضافة إلى “أبو المثنى المهاجر”، المسؤول عن الإنتاج الإعلامي.

وشكلت العملية التي أسفرت عن مقتل المنكي، في ولاية برنو شمال شرق نيجيريا، أبرز محطة حتى الآن في الجهود الأمريكية لدعم الحكومة النيجيرية في حربها ضد الإرهاب.

وقالت “أفريكوم”، إن المنكي كان يقدم توجيهات استراتيجية لشبكة “داعش” العالمية في ملفات العمليات الإعلامية والمالية، إضافة إلى تطوير وتصنيع الأسلحة والمتفجرات والطائرات المسيّرة. وبأنه “يملك سجلًا حافلًا بالتورط في التخطيط للهجمات وتوجيه عمليات احتجاز الرهائن”.

شكوك رغم النجاحات الحالية

رغم النجاحات الميدانية في نيجيريا، أبدى الجنرال داغفين أندرسون قلقه من عدم قدرة الجيش الأمريكي على إحباط الهجمات الإرهابية المحتملة في إفريقيا على المدى القريب، في ظل تقلص الوجود العسكري الأمريكي في القارة.

وأوضح، خلال شهادته أمام الكونغرس الأسبوع الماضي، أن إفريقيا أصبحت بؤرة الإرهاب العالمي، محذرًا من أن خفض القوات الأمريكية بنسبة 75% خلال العقد الماضي، بالتزامن مع انسحاب قوات التحالف، خلق “فجوة استخباراتية” واسعة في القارة. وأضاف أندرسون: “افتقار أفريكوم إلى القدرات العملياتية وتراجع قوتها يضعفان استجابتنا للأزمات”، مشيرًا إلى أن القيادة تعمل “بالحد الأدنى من الموارد اللازمة”.

كما حذر من أن الوجود الأمريكي المحدود يسمح لجهات وصفها بـ”التخريبية” بفرض أجنداتها، بما يقوض المصالح الأمريكية في المنطقة. وقال: “قيادة داعش موجودة في إفريقيا، والمحرك الاقتصادي لتنظيم القاعدة موجود في إفريقيا أيضًا، وكلا التنظيمين يشتركان في الإرادة والنية لضرب أراضينا”.

تاريخ طويل من الإرهاب

منذ نهاية عام 2018، حوّل “داعش” منطقة الساحل إلى واحدة من أهم معاقل فروعه الأكثر خطورة. وينشط التنظيم، إلى جانب “بوكو حرام”، بشكل خاص في حوض بحيرة تشاد الممتد عبر الكاميرون وتشاد والنيجر ونيجيريا.

وتوسعت الجماعات الإرهابية بسرعة في منطقة الساحل، مستفيدة من عوامل متعددة، بينها الفقر المدقع، وانعدام الأمن الغذائي، وضعف الحوكمة، والتغير المناخي، إضافة إلى تجنيد الأطفال الذين يصبحون أكثر عرضة للاستقطاب في البيئات الهشة.

وتضافرت هذه العوامل لتجعل من الساحل واحدة من أعقد بؤر الإرهاب في العالم.

ووفقًا لمؤشر تتبع النزاعات العالمية، فإن تنامي قوة الجماعات الإرهابية في الساحل يهدد بزعزعة الاستقرار في مختلف أنحاء أفريقيا، ويشكل مخاطر أمنية ومالية جسيمة على الولايات المتحدة وأوروبا.

كما تشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن العنف المستمر في المنطقة أجبر أكثر من 1827 مدرسة في حوض بحيرة تشاد على الإغلاق، ما حرم آلاف الأطفال من التعليم، ودفع بعضهم قسرًا نحو الانخراط في صفوف الجماعات الإرهابية.

مخاوف جديدة

في ظل تطوير الجماعات الإرهابية لأساليبها الهجومية، تتزايد المخاوف من لجوئها إلى استخدام أدوات أكثر فتكًا وتعقيدًا لمواجهة العمليات المضادة. وحذرت الأمم المتحدة، الثلاثاء، من وجود مؤشرات على سعي جماعات إرهابية في إفريقيا إلى امتلاك قدرات نووية أو إشعاعية، مستفيدة من التقدم التكنولوجي المتسارع.

وقالت المنظمة الدولية إن الأدوات الناشئة، مثل الطائرات المسيّرة وتقنيات الذكاء الاصطناعي، قد تجعل تنفيذ الهجمات النووية أو الإشعاعية أكثر قابلية للتحقق. وأضافت، بأن العواقب الإنسانية والبيئية والاقتصادية لأي هجوم نووي أو إشعاعي ستكون “وخيمة وعابرة للحدود”، بما يهدد الأمن الدولي والثقة بالتكنولوجيا النووية السلمية. وتشمل المخاطر المحتملة استخدام “القنابل القذرة”، أو استهداف منشآت نووية، أو استخدام مواد مشعة مسروقة، أو تصنيع عبوات نووية بدائية.

ورغم عدم وقوع أي هجوم إرهابي نووي منذ ظهور التكنولوجيا النووية قبل نحو 80 عامًا، أكد مدير مركز الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب، ماورو ميديكو، أن مستوى التهديد أصبح أعلى من أي وقت مضى بسبب سهولة الوصول إلى التقنيات المتقدمة.

ولفت إلى أن الجماعات الإرهابية باتت تجند متخصصين، من بينهم خبراء في الذكاء الاصطناعي، وأنها استخدمت بالفعل الطائرات المسيّرة في عملياتها. محذراً من أن هذه التطورات قد تزيد احتمالات تنفيذ هجمات أكثر تعقيدًا، بما في ذلك استخدام الطائرات المسيّرة لإيصال مواد محظورة أو أجهزة مشعة.

سد الفراغ الأمني

رغم أن العملية المشتركة وجهت ضربة قاسية لتنظيم “داعش” في غرب إفريقيا، فإنها تعكس في الوقت نفسه حجم التعقيدات التي باتت تحيط بالحرب على الإرهاب في الساحل، حيث لم تعد المواجهة تقتصر على العمليات العسكرية التقليدية، بل أصبحت مرتبطة بقدرة الدول والقوى الدولية على سد الفراغ الأمني ومواكبة التحولات التكنولوجية المتسارعة التي تستغلها الجماعات المتطرفة. 

بينما تحاول واشنطن وحلفاؤها استعادة زمام المبادرة بعد سنوات من التراجع والانقسامات الإقليمية، تبدو منطقة الساحل أمام مرحلة أكثر حساسية، قد تحدد ما إذا كانت الضربات الحالية بداية لاستعادة السيطرة، أم مجرد نجاحات تكتيكية مؤقتة في مواجهة تهديد يتطور بوتيرة غير مسبوقة.