منذ تأسيسها، شهدت منظمة “أوبك” صراعاً بين هوية “سياسية” تدافع عن مصالح ما يعرف بـ”دول الجنوب العالمي”، وأخرى “اقتصادية” تهدف إلى تعظيم دخل أعضائها. هذا الدور المزدوج يبرز بقوة كلما اصطدمت الكتلة الاقتصادية مع الكتلة السياسية، وتصارع حمائم الأسعار مع صقورها.
في العقدين الماضيين، بدأت التقلبات الحادة في سوق النفط والجيوسياسة العالمية تلقي بثقلها على الدول المصدرة للنفط، ولا سيما أعضاء “أوبك”. فمع طفرة النفط الصخري في الولايات المتحدة، وتصاعد النقاشات حول خفض انبعاثات الكربون، وضعف الاستهلاك نتيجة الركود الاقتصادي ولا سيما ذلك الذي خلّفته جائحة “كوفيد-19″، بدأ المصدرون بالسعي إلى إيجاد سبل جديدة للتعاون.
أتى العام 2016 حاملاً معه تحولاً مهماً: تقارب بين الرياض وموسكو أدى إلى إنشاء تحالف “أوبك بلس” الذي جمع منظمة “أوبك” مع حلفاء خارجيين، أبرزهم روسيا، من أجل تعاون أوسع وأكثر مرونة يركز على حماية الأسعار. ورغم ترسيخ هذا التحالف تحت مظلة “أوبك” الاقتصادية، إلا أنه حمل إشارات إلى تحوّل محتمل في موازين القوى العالمية.
محاولات التقارب
في السابق، كان إرث الحرب الباردة جداراً سميكاً بين الاتحاد السوفيتي، أحد أكبر منتجي النفط، و”أوبك”. كان السوفييت وقتها ينظرون إلى أنفسهم كقوة صناعية لا تشترك إلا بالقليل مع مُصدِّري السلع. أما خليجياً، فقد شكل تموضع الاتحاد السوفيتي حليفاً وثيقاً لبعض القوى الاشتراكية والعلمانية، مبرراً للنظر إليه كتهديد محتمل للاستقرار الداخلي.
في كتاب بعنوان “سياسات الطاقة في عصر مضطرب” صدر العام الماضي، يسرد محرّره داغ هارالد كلايس، كيف شكلت صدمة النفط في العام 1985، فرصة لبذل جهود تعاونية قصيرة الأمد. لكن، بمجرد أن أدى تفكك الاتحاد السوفيتي إلى إضعاف سيطرة الدولة على قطاع النفط الروسي، تلاشى نهائياً احتمال العمل مع منظمة “أوبك”. في ذلك الوقت، كانت الحكومات الأوروبية والأمريكية تمني النفس باندماج روسي كامل في سوق الطاقة الأوراسية الحرة.
غير أن منظمة “أوبك” واصلت سعيها إلى التنسيق مع الدول الأخرى المصدرة للنفط، لا سيما تلك التي لا تنتمي إلى منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. وفي المؤتمرات المتتالية التي عُقدت بعد العام 2003، دُعيت دول مثل النرويج والمكسيك وسوريا وعُمان إلى جانب روسيا كـ”مراقبين”، وقد تم بالفعل التوصل إلى حل وسط لإنشاء هيئة فنية للحوار مع موسكو على مستوى الأمين العام لمنظمة “أوبك”.
النفط الصخري الأمريكي: خصم مشترك
على مر السنوات المتلاحقة، برز خصم جديد غير متوقع: طفرة النفط الصخري. فبينما شكلت واردات الولايات المتحدة الصافية من النفط نحو 13 مليون برميل يومياً في العام 2006، أي ما يعادل 60% من إجمالي استهلاكها، جاء 2019 ليصبح محورياً لقطاع الطاقة الأمريكي، إذ تحولت القوة العسكرية والاقتصادية الأولى في العالم من مستورد عملاق إلى مصدرٍ صافٍ في واحدة من أبرز التحولات في تاريخ الطاقة الحديث، مخفضة اعتمادها على النفط الأجنبي، وفق سمة ظلت ثابتة في الاقتصاد السياسي الأمريكي طيلة العقود الأخيرة.
في نظر “أوبك”، لم يشكل النفط الصخري حتى العام 2012 عاملاً هيكلياً مؤثراً في تغيرات السوق، فحافظت على هدفها البالغ 30 مليون برميل يومياً. إلا أن النمو الهائل في الإنتاج الأمريكي سرعان ما بدأ يلفت انتباه المنظمة كما روسيا على حد سواء.
خلص تقرير لاحق لـ”أوبك” إلى أن إنتاج النفط الصخري سيزداد بشكل ملحوظ بفضل التوسع في حفر الآبار وتحسن كفاءته. لكن، عندما بدأت بالتحرك، كان الأوان قد فات. فمنذ منتصف العام 2014، بدأت أسعار النفط بالانخفاض نتيجة زيادة العرض العالمي وتباطؤ الطلب الصيني، لتهوي حتى أوائل 2016 بنحو 70% (من 110 دولارات إلى 35). هذا الهبوط الحاد أثر على جميع الدول المصدرة للنفط آنذاك، وترافقت الأضرار الاقتصادية مع تغييرات سياسية كبيرة في بعض الدول مثل السعودية.
في روسيا، بدأت خزائن النقد الأجنبي تجف نتيجة انخفاض قيمة الروبل. وضعٌ تفاقم مع فرض أولى العقوبات عليها بسبب ضم شبه جزيرة القرم ودعم الانفصاليين في شرق أوكرانيا. ورغم تركيز روسيا – مع تزايد القطيعة مع الغرب – على تحقيق اكتفاء ذاتي أكبر وتعزيز الصادرات الزراعية مستفيدةً من انخفاض قيمة الروبل، أصبح بسط بعض السيطرة على أسواق النفط أداة أساسية لتعزيز المرونة الاقتصادية في مواجهة التحديات الخارجية، في بلد لا تزال ميزانيته تعتمد على النفط والغاز بشكل كبير.
وفي وقت كانت السعودية تواجه عجزاً حاداً في الميزانية، مع ارتفاع الإنفاق وانخفاض أسعار النفط، شكلت هذه الضغوط المالية المشتركة أرضية جيدة للتفاوض. في يونيو/ حزيران 2015، زار ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، روسيا على هامش منتدى سان بطرسبورغ الاقتصادي؛ ليتم في 2016 وضع خطة عمل مشتركة خلال قمة مجموعة العشرين في هانغتشو الصينية، وصفت بـ”المرحلة الجديدة في العلاقات بين دول أوبك وغير الأعضاء فيها”.
جاءت الخطوة التالية في “اتفاق الجزائر” في نفس العام الذي نص على خفض الإنتاج، مشكلاً بداية المشاورات رفيعة المستوى بين ممثلي “أوبك” والدول غير الأعضاء، بما في ذلك البرازيل والمكسيك وروسيا. وخلال الاجتماع الوزاري اللاحق للأعضاء وغير الأعضاء بفيينا في 10 ديسمبر/كانون الأول، انطلق “إعلان التعاون” الذي أسس التحالف الجديد الذي عُرف لاحقاً باسم “أوبك بلس” بحيث يضم إحدى عشرة دولة أخرى من خارج أوبك، وهي: روسيا، البرازيل، المكسيك، أذربيجان، كازاخستان، ماليزيا، البحرين، عُمان، بروناي، جنوب السودان، السودان. إعلانٌ وصف بأنه “لا يقل أهمية عن تأسيس أوبك في 14 سبتمبر 1960”.
وفي فترة معقدة، أتاح هذا التحالف لـ”أوبك” هيمنة أكبر على السوق، إذ تُنتج دوله الثلاث والعشرون غالبية النفط العالمي، فيما تمتلك 90% من احتياطياته المؤكدة.
اختبار التماسك: الجائحة وحرب أوكرانيا
بعد سنوات قليلة من تأسيس تحالف “أوبك بلس”، تأثرت سوق النفط العالمية بحدثين استثنائيين اختبرا تماسكه الداخلي: جائحة “كوفيد-19″، والحرب الروسية-الأوكرانية. أدّت الإغلاقات الاقتصادية في الأسابيع الأولى من الجائحة إلى انهيار سوق النفط لمستويات لم تشهدها منذ الكساد الكبير. وفي خطوة غير مسبوقة، وعقب خلاف داخلي بين روسيا والسعودية، دعت الولايات المتحدة علناً تحالف “أوبك بلس” للتدخل في إبريل/نيسان 2020. وقد كان خفض الإنتاج الأكبر في التاريخ، خطوة حاسمة في استقرار سوق النفط، حيث قلل فائض المعروض بما يعادل انخفاض الطلب بمقدار 10 ملايين برميل يومياً.
أما الصدمة التالية، فكانت الحرب التي اندلعت على أعتاب أوروبا والتي دقّت أجراس الإنذار في سوق النفط مجدداً، ولكن هذه المرة لأسباب جيوسياسية. فرضت الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد الأوروبي، من بين دول أخرى، عقوبات اقتصادية قاسية على روسيا، وفي ديسمبر 2022، حددت دول مجموعة السبع سقفاً سعرياً عند 60 دولاراً للبرميل على النفط الروسي، بهدف الحد من عائدات موسكو وإعاقة مجهودها الحربي.
وعندما أعلنت الدول المستهلكة الكبرى، عزمها استبدال واردات النفط والغاز الروسية بكميات من دول منتجة أخرى، حافظت دول “أوبك بلس”، خاصة دول الخليج، على وحدتها، بل وخفضت إنتاجها حينها. ونظراً للضغوط الهائلة التي واجهتها من الدول الغربية، كان هذا التماسك لافتاً.
جاء تشكيل “أوبك بلس” في مواجهة مجموعة من التحديات الجيوسياسية والاقتصادية المتشابكة، ليمثل نموذجاً واسعاً للتعاون بين دول مصدرة للموارد، بعضها خارج المعسكر الغربي التقليدي. واليوم يضم الإطار روسيا والبرازيل، وهما عضوان في مجموعة “بريكس”، بعدما دخلت البرازيل لاحقاً إلى إطار التحالف.
وعلى الرغم من أن العالم الصناعي عمل على تقليل اعتماده النسبي على إمدادات دول التحالف، ومع صعود الولايات المتحدة كمنتج كبير، لا تزال قرارات “أوبك بلس” قادرة على التأثير في الاقتصاد العالمي. لكن نفوذ “أوبك” المتأرجح وسط انقسامات داخلية، بعضها مرتبط بخلافات حول الاستراتيجية والإنتاج والأسعار، بدأ يلقي بظلاله على التحالف؛ وهي ضغوط عمّقتها انسحابات عدة في السنوات الأخيرة، كان أحدثها انسحاب الإمارات من “أوبك” و”أوبك بلس” اعتباراً من 1 مايو/أيار 2026، في خطوة وصفتها أبوظبي بأنها قرار سيادي واستراتيجي.















