بقلم محمد الكرمي
بقلم محمد الكرمي

مقالات مشابهة

الأمن والنزاعات المسلحة (1-2)

الجفاف وهشاشة الأمن: كيف يدفع انهيار الزراعة شباب جنوب العراق نحو اقتصاد الفصائل المسلحة؟

بقلم محمد الكرمي
بقلم محمد الكرمي

لا يحتاج الجفاف في جنوب العراق للتحول إلى شكل من أشكال الحرب المفتوحة كي يصبح خطراً أمنياً. يكفي أن يضرب الزراعة، ويدفع العائلات إلى ترك الأرض، ويفقد الشباب قدرتهم على العمل والإعالة، حتى يبدأ أثره الأعمق في الظهور. تفكك اقتصاد محلي كان قائماً على الماء، وتمدّد بدائل غير رسمية تقدم المال والحماية والانتماء.

في هذه المساحة الرمادية، بين فشل الزراعة وضعف سوق العمل، تظهر الفصائل والشبكات المسلحة والاقتصادات غير النظامية بوصفها خيارات عملية أمام شباب لم يعودوا يجدون مكاناً واضحاً داخل الاقتصاد المدني.

هذا لا يعني أن الجفاف “يُنتج” الميليشيات في جنوب العراق، أو أن كل شاب يغادر الزراعة يصبح مشروع مقاتل، هذا تفسير تبسيطي لا يصمد أمام واقع أكثر تعقيداً. فالمنطقة تحمل تاريخاً طويلاً من التعبئة السياسية والدينية، وانتشار السلاح، وضعف مؤسسات الدولة، وتنافس الفصائل على النفوذ، فضلاً عن آثار حرب 2014 ضد تنظيم الدولة. ليضيف الجفاف عامل ضغط جديد، إذ خفّض كلفة الالتحاق بالجهات المسلحة، وجعل الراتب الفصائلي أو الأمني أكثر جاذبية، كما وسّع قاعدة الشباب الباحثين عن أي بديل بعد انهيار الزراعة والرعي والصيد.

أزمة ماء وعمل

في محافظات مثل ذي قار والبصرة وميسان، لا يظهر الجفاف كحدث طارئ فقط، بل كتحول طويل في شروط الحياة. تراجع المياه، وارتفاع الملوحة، وتدهور الأهواز، وموجات الحر، ونفوق المواشي، كلها عوامل تضرب قطاعات كانت تشكل جزءاً أساسياً من الاقتصاد المحلي. بالنسبة إلى مزارع صغير أو مربّي جاموس أو صياد في الأهواز، لا تكون خسارة الماء مجرد انخفاض في الدخل، بل نهاية محتملة لنمط عيش كامل.

حين يفقد الريف قدرته على إنتاج العمل، يبدأ الشباب في الانتقال نحو المدن القريبة أو أطرافها، حيث لا تنتظرهم فرص كافية. المدن الجنوبية نفسها تعاني بطالة مرتفعة، وخدمات متراجعة، ونمط توظيف قائم على الوساطة السياسية والحزبية والعشائرية. في هذه البيئة، لا تبدو الفصائل أو الشبكات غير الرسمية بعيدة عن الحياة اليومية، بل تتحول إلى جزء من سوق العمل الفعلي: حراسة، نقل، تهريب، حماية، انتماء تنظيمي، أو راتب شبه ثابت في اقتصاد مضطرب.

هذا هو المسار الأهم لفهم العلاقة بين الجفاف والتجنيد في جنوب العراق. ليست المسألة أن الشاب ينتقل مباشرة من أرض جافة إلى ساحة قتال. المسار أطول وأكثر تدرجاً: خسارة محصول، تراكم ديون، بيع ماشية، هجرة محلية، عمل متقطع، احتياج إلى وسيط، ثم ظهور جهة قادرة على تقديم دخل أو حماية. هنا يصبح التجنيد نتيجة لسلسلة من الانكسارات، لا استجابة مباشرة للجفاف وحده.

فقدان الرزق والمكانة

في الأهواز، تتخذ الأزمة شكلاً أكثر حساسية. فالماء هناك ليس مورداً اقتصادياً فحسب، بل هو أساس لهوية اجتماعية وثقافية. تربية الجاموس، الصيد، القصب، التنقل داخل المسطحات المائية، كلها ليست أنشطة معيشية فقط، بل عناصر تشكل معنى المكان ودور الفرد داخله. عندما تنحسر المياه، لا يخسر السكان دخلاً فحسب؛ يخسرون أيضاً لغة العيش التي نظمت علاقاتهم ومكانتهم داخل المجتمع.

هذا البُعد مهم لفهم قابلية الشباب للتجنيد. فالانضمام إلى فصيل أو شبكة مسلحة لا يقدم مالاً فقط، بل يقدم أحياناً بديلاً رمزياً عن المكانة المفقودة. الشاب الذي لم يعد قادراً على العمل في أرضه أو إعالة أسرته قد يجد في الزي والسلاح والراتب واللقب شعوراً بالاعتراف. الجماعة المسلحة لا تعرض وظيفة بالمعنى التقليدي، بل تعرض هوية جديدة في لحظة اهتزاز الهوية القديمة.

الفصائل كوسطاء اجتماعيين

تتمثل إحدى مشكلات القراءة الأمنية التقليدية في أنها ترى الفصائل كقوة مسلحة فقط. لكن في كثير من مناطق الجنوب، تعمل هذه الفصائل أيضاً كوسطاء اجتماعيين واقتصاديين. قد تساعد في الحصول على وظيفة، أو تؤمن حماية، أو تفتح باباً في مؤسسة، أو توفر دخلاً لمن لا يملك شبكة أخرى. هذه الوظيفة الوسيطة تمنحها قدرة على النفاذ إلى المجتمعات المتضررة من الجفاف والبطالة.

عندما تضعف الدولة في إدارة المياه وفرص العمل، يزداد نفوذ من يستطيع التوسط. وفي بيئة تعتمد على العلاقات أكثر من المؤسسات، يصبح القرب من الفصيل أو الحزب أو الشيخ أو المسؤول المحلي مورداً بحد ذاته. الجفاف هنا لا يخلق الولاء السياسي، لكنه يجعل الناس أكثر اعتماداً على قنوات الولاء القائمة. من يحتاج إلى راتب سريع أو حماية أو فرصة عمل قد لا يملك ترف التمييز بين الاقتصاد المشروع وغير المشروع.

هذا يفسر لماذا يظهر التجنيد في جنوب العراق غالباً في صورة اقتصادية أو شبكية لا في صورة أيديولوجية صريحة. الشاب لا يدخل دائماً لأنه اقتنع بخطاب كبير، بل لأنه وجد باباً مفتوحاً وسط أبواب مغلقة. ومع الوقت، يمكن أن تتحول الحاجة إلى ولاء، والراتب إلى انتماء، والانتماء إلى جزء من بنية القوة المحلية.

النزوح المحلي

النزوح المرتبط بالماء في جنوب العراق لا يشبه النزوح الحربي التقليدي دائماً. كثير منه يحدث ببطء: عائلة تبيع جزءاً من مواشيها، ثم ترسل أحد أبنائها إلى المدينة، ثم تترك الزراعة تدريجياً، ثم تتحول إلى عمل مؤقت أو إقامة هامشية. لكن هذا البطء لا يجعله أقل خطورة. فهو يفرغ الريف من شبابه، ويضعهم في بيئات حضرية غير قادرة على استيعابهم، ويفكك شبكات الضبط التقليدية التي كانت تحد من الانزلاق نحو العنف أو الجريمة.

في القرية، كان الشاب معروفاً بعائلته وعمله وعلاقاته. في الهامش الحضري، يصبح فرداً يبحث عن فرصة وسط منافسة قاسية. هنا تتغير شبكة الاعتماد: بدلاً من الأرض والعائلة الممتدة والمهنة، تظهر الوساطة الحزبية أو الفصائلية أو السوق غير الرسمية. وهذا التحول هو ما يجعل الجفاف مسألة أمنية غير مباشرة. فهو لا يدفع الناس إلى السلاح بمجرد وقوعه، بل يعيد توزيعهم اجتماعياً واقتصادياً بطريقة تزيد تعرضهم لشبكات النفوذ.

أين تبدأ المعالجة؟

مواجهة هذا المسار لا تكون عبر الأمن وحده. فإذا كان الجفاف يضغط على سوق العمل، فإن الحل يبدأ من حماية سبل العيش. دعم المزارعين، معالجة الملوحة، تأمين حصص مائية أكثر عدلاً، الاستثمار في الأهواز، خلق وظائف محلية خارج منطق الوساطة، وتوفير برامج تدريب وتشغيل للشباب، كلها أدوات أمنية بقدر ما هي تنموية.

كذلك تحتاج الدولة إلى تقليص دور الفصائل بوصفها وسطاء معيشة، لا فقط بوصفها قوى مسلحة. طالما أن الشاب لا يستطيع الوصول إلى وظيفة أو خدمة أو حماية إلا عبر وسيط غير رسمي، ستبقى هذه الشبكات قادرة على التجنيد. المعركة هنا ليست فقط على السلاح، بل على من يملك القدرة على توفير الحياة اليومية.

في جنوب العراق، لا يحوّل الجفاف الشباب تلقائياً إلى مقاتلين. لكنه يضرب الأرض التي كانت تمنحهم عملاً ومكانة، ويدفعهم نحو مدن وأسواق لا تتسع لهم، ويجعل عروض الفصائل والشبكات غير الرسمية أكثر جاذبية. الخطر الحقيقي يظهر عندما يجتمع نقص الماء مع شلل الدولة، فحين تفشل السياسات في حماية الزراعة والعمل، يصبح السلاح أحياناً المؤسسة الوحيدة التي تطرق الباب.