كان (جنوب فرنسا) - عثمان تزغارت
كان (جنوب فرنسا) - عثمان تزغارت

مقالات مشابهة

رسالة "كان" (7)

“المحبوب”: فيلم إسباني عن الصحراء الغربية بوصفها تورية عن التخلي وعقدة الذنب

كان (جنوب فرنسا) - عثمان تزغارت
كان (جنوب فرنسا) - عثمان تزغارت

يشكّل فيلم “المحبوب” للمخرج الإسباني رودريغو سوروغوين واحدًا من أكثر الأعمال المنتظرة في الدورة التاسعة والسبعين من مهرجان كان السينمائي، ليس فقط بسبب حضوره ضمن المسابقة الرسمية المنافسة على السعفة الذهبية، بل لأن الفيلم يبدو كأنه مواجهة سينمائية مؤجلة مع ذاكرة إسبانيا السياسية والأخلاقية تجاه الصحراء الغربية.

الصور الملتقطة على السجادة الحمراء، بحضور خافيير بارديم ومارينا فوا إلى جانب سوروغوين وبقية فريق العمل، عكست حجم الترقب الذي يحيط بالفيلم، خاصة وأن مخرجه بات خلال السنوات الأخيرة أحد أبرز الأصوات التي أعادت للسينما الإسبانية نزعتها الواقعية الحادة، القائمة على تفكيك السلطة والعائلة والذاكرة الجماعية.

السينما.. اعتراف متأخر

في الظاهر، يقدم الفيلم حكاية إنسانية عن مخرج سينمائي أسطوري يستعين بابنته، الممثلة التي تعاني تعثرًا مهنيًا، للمشاركة في مشروعه الجديد. لكن هذه الحبكة العائلية ليست سوى طبقة أولى تخفي تحتها سؤالًا سياسيًا وثقافيًا أعمق: كيف يمكن للفن أن يواجه إرث التخلي؟ وكيف تتحول السينما إلى مساحة للاعتراف المتأخر بالذنب؟

يبدو أن سوروغوين يستخدم العلاقة المتوترة بين الأب وابنته كاستعارة دقيقة للعلاقة بين إسبانيا والصحراء الغربية. فالأب المخرج، الذي يحمل سلطة رمزية وثقافية، يشبه بلدًا قرر ذات يوم الانسحاب من مسؤولياته التاريخية، تاركًا خلفه جراحًا مفتوحة. أما الابنة، التي تعود للعمل معه رغم تاريخ التوتر والألم، فتجسد ذاكرة لا تريد أن تختفي، وجرحًا يرفض أن يندمل بمجرد الصمت.

من هنا، لا يعود “المحبوب” مجرد دراما نفسية عن عائلة مفككة، بل يتحول إلى تأمل في “عقدة الذنب الإسبانية” تجاه المستعمرة السابقة. فالصحراء الغربية، التي انسحبت منها مدريد سنة 1975، لا تزال حاضرة في الوعي الثقافي الإسباني بوصفها قضية مؤجلة أخلاقيًا، حتى وإن حاول الخطاب السياسي الرسمي تجاوزها أو إعادة تعريفها.

التواطؤ الصامت

اختيار سوروغوين لهذا المسار ليس مفاجئًا. فالمخرج الذي عُرف بأعماله المشحونة بالتوتر الأخلاقي والاجتماعي، يبدو هنا مهتمًا بفكرة التواطؤ الصامت: كيف يمكن للأب أن يحب ابنته وفي الوقت نفسه يكون سببًا في جراحها؟ وكيف يمكن لدولة أن تتحدث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان بينما تحمل في ذاكرتها لحظة تخلي تاريخية؟

وجود خافيير بارديم في هذا العمل يضيف بعدًا آخر للفيلم، خصوصًا أن الممثل لطالما عبّر في مواقفه العلنية عن دعمه للقضية الصحراوية. لذلك يبدو أداؤه هنا امتدادًا فنيًا لموقف سياسي وإنساني، يجعل الشخصية أقرب إلى ضمير متعب يحاول مراجعة ذاته أكثر من مجرد أب متسلط أو فنان عجوز.

وفي الوقت الذي تميل فيه كثير من الأفلام الأوروبية المعاصرة إلى معالجة القضايا السياسية عبر خطاب مباشر، يختار “المحبوب” طريقًا أكثر تعقيدًا وشاعرية: تغليف الإشكالية السياسة في علاقة عائلية شائكة، وتحويل ثقل التاريخ إلى توتر نفسي، ومزج عقدة الاستعمار بجراح الذاكرة شخصية. وهي مقاربة تمنح الفيلم كثافته الثقافية، وتجعله عملًا عن الفقد والخذلان بقدر ما هو أيضًا فيلم عن السينما والوسط السينمائي.

هكذا يبدو “المحبوب” وكأنه محاولة إسبانية جديدة للنظر إلى الماضي دون أقنعة. فيلم عن أب وابنته، نعم، لكنه أيضًا فيلم عن بلد كامل يحاول أن يواجه صورته في المرآة بعد عقود من الصمت وعقدة الذنب.