برحيل عبد الوهاب الدكالي لا يفقد المغرب مطرب كبير فحسب، بل واحدًا من آخر الفنانين العرب الذين تعاملوا مع الأغنية بوصفها مشروعًا حضاريًا وثقافيًا، لا صناعة ترفيه أو شهرة عابرة فحسب. فالرجل الذي امتدت مسيرته لأكثر من ستة عقود، لم يصنع فقط ذاكرة موسيقية للمغاربة، بل ساهم في إعادة تشكيل هوية الأغنية المغربية الحديثة، وفي نقلها من حدود المحلية إلى الفضاء العربي الأوسع.
ولد الدكالي سنة 1941 بمدينة فاس، داخل أسرة محافظة وكبيرة العدد، ونشأ وسط بيئة مُشبعة بالتراث المغربي العريق. ومنذ طفولته بدا مختلفًا عن أبناء جيله، إذ انجذب مبكرًا إلى الرسم والموسيقى والمسرح، قبل أن ينتقل لاحقًا إلى الرباط ثم الدار البيضاء، حيث بدأ احتكاكه الحقيقي بالإذاعة والمسرح والتلحين.
من القاهرة إلى مشروع “الأغنية المغربية الحديثة”
في مطلع الستينيات، شدّ الرحال إلى القاهرة، العاصمة الفنية العربية آنذاك، حيث احتك بأسماء مثل محمد عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ وفريد الأطرش. وهناك أدرك أن النجاح الحقيقي لا يكمن في تقليد المدرسة المشرقية، بل في بناء مدرسة مغربية حديثة لها شخصيتها الخاصة.
عاد إلى المغرب وهو يحمل تصورًا مختلفًا للأغنية: أغنية مغربية في روحها، عربية في امتدادها، وإنسانية في رسالتها. ومنذ منتصف الستينيات بدأ مشروعه الفني يتبلور عبر أعمال مثل “ما أنا إلا بشر”، و”مرسول الحب”، و”سوق البشرية”، و”كان يا ما كان”، وهي أغانٍ جمعت بين الطرب والتأمل الفلسفي والأسئلة الإنسانية.
تميّز الدكالي عن كثير من أبناء جيله بأن أغانيه لم تكن أعمالًا عاطفية خفيفة فقط، بل نصوصًا تحمل أبعادا فكرية وإنسانية واضحة. لذلك وصفه نقاد بـ”فيلسوف الأغنية المغربية”، لأنه نقل الأغنية من مساحة الطرب إلى مساحة الفكرة.
كان من القلائل الذين جمعوا بين التلحين والكتابة والغناء والعزف، ما منح أعماله طابعًا شخصيًا شديد الخصوصية. كما عُرف بثقافته الواسعة واهتمامه بالرسم والفن التشكيلي والموسيقى التصويرية، وشارك في أعمال سينمائية ومهرجانات فنية عديدة.
الناقد خالد الخضري قال عنه: “كان فنان بورتريه، وأنجز الموسيقى التصويرية لأفلام، وكان يمتلك اطلاعًا واسعًا جعل منه فنانًا من الطراز العالي”.
ضد “الاستهلاك السريع”
رغم نجاحه الجماهيري، ظل الدكالي بعيدًا عن الصخب الإعلامي، ورفض الانخراط في موجة الأغنية التجارية السريعة. وفي أكثر من مناسبة، انتقد تراجع مستوى الأغنية العربية الحديثة، معتبرًا أن الفن فقد كثيرًا من عمقه الإنساني لصالح الاستهلاك والانتشار السريع.
هذا الموقف جعل البعض يراه فنانًا نخبويًا، لكنه في المقابل حافظ على صورته كأحد آخر الفنانين العرب الذين يضعون الجودة والكلمة فوق السوق والشهرة. كما عُرف بشخصيته الهادئة والميل إلى العزلة، وهو ما وصفه الناقد حسن نرايس بـ “الوحدة الجميلة داخل الجماعة”، مؤكدًا أن الدكالي كان “محبوبًا من جميع أصناف المجتمع رغم ابتعاده عن الأضواء”.
صوت المغرب إلى العالم العربي
نجح الدكالي في زمن كانت اللهجة المغربية تواجه صعوبة في الوصول إلى المشرق العربي، لكنه استطاع عبر قوة اللحن وصدق الأداء أن يفرض حضوره عربيًا. وأعاد فنانون عرب أداء بعض أعماله، أبرزها “مرسول الحب”، فيما غنت له صباح، وتأثر بأعماله فنانون عرب كثر. وخلال مسيرته الطويلة، حصل على جوائز وتكريمات عديدة، بينها اختيار هيئة الإذاعة البريطانية “شخصية العام سنة 1961″، وجائزة مهرجان القاهرة، إضافة إلى أوسمة وتكريمات عربية ودولية.
برحيله، يبدو وكأن المغرب يودع واحدًا من آخر رموز جيل كامل من الفنانين الذين تعاملوا مع الموسيقى بوصفها هوية وثقافة ورسالة، لا مجرد أغنية عابرة في زمن سريع النسيان.















