بقلم آدمز وايت
بقلم آدمز وايت

مقالات مشابهة

سياسة عسكرية

“يوم النصر” بنسخة مصغّرة: المناسبة الأكثر رمزية في روسيا.. من استعراض الهيبة إلى اختبار أمني معقّد

بقلم آدمز وايت
بقلم آدمز وايت

كشف إحياء روسيا لذكرى “يوم النصر” في التاسع من مايو/أيار 2026 تحوّلاً لافتاً في الطريقة التي بات الكرملين يُدير بها واحدة من أكثر مناسباته السياسية والعسكرية حساسية. فالعيد الذي درجت موسكو على تحويله إلى منصة كبرى لعرض القوة العسكرية وترسيخ سردية الانتصار السوفياتي في الحرب العالمية الثانية، جاء هذا العام مُثقلاً بقيود أمنية ولوجستية فرضتها الحرب المستمرة في أوكرانيا، والتي دخلت عامها الخامس من دون حسم واضح.

في الساحة الحمراء، حيث اعتاد الروس والعالم مشاهدة الدبابات ومنظومات الصواريخ العابرة للقارات والمدرعات الثقيلة، بدا المشهد أكثر انكماشاً من المعتاد. للمرة الأولى منذ نحو عقدين، خلا العرض من الدبابات والمعدات البرية الثقيلة، واقتصر في جانبه الميداني على الطوابير الراجلة والوحدات الشرفية وطلبة الأكاديميات العسكرية، إلى جانب استعراض جوي محدود نفذته طائرات حربية من طراز “سوخوي-25” رسمت ألوان العلم الروسي في سماء العاصمة.

هذا التغيير لم يكن تفصيلاً بروتوكولياً عادياً، بل عكس حجم التحولات التي فرضتها الحرب على الداخل الروسي. فالمناسبة التي صُممت تاريخياً لتأكيد الهيبة العسكرية أصبحت، في نسختها الحالية، محكومة بهاجس الحماية ومنع الاختراق الأمني، خصوصاً في ظل تصاعد الهجمات الأوكرانية بالطائرات المسيّرة بعيدة المدى، واتساع نطاق استهدافها للعمق الروسي خلال الأشهر السابقة.

اعتراف ضمني

تشير المعطيات إلى أن السلطات الروسية عمدت هذا العام إلى تقليص العرض واعتماده تكريماً للقوات العاملة على الجبهات، بدلاً من إرهاق المعدات العسكرية في مظاهر احتفالية. غير أن غياب الدبابات والمنظومات الثقيلة عن قلب موسكو حمل دلالة سياسية وعسكرية يصعب تجاهلها؛ إذ بدا وكأنه اعتراف ضمني بأن الحرب لم تعد محصورة في خطوط القتال الأوكرانية، بل باتت تلقي بظلالها على المجال السيادي الروسي نفسه.

ولم يقتصر الانكماش على العاصمة. فقد امتدت إجراءات الإلغاء والتقليص إلى عشرات الأقاليم الروسية. ووفق البيانات الواردة، ألغت 27 عاصمة إقليمية عروضها العسكرية بالكامل، بينما نظمت 37 أخرى عروضاً محدودة من دون معدات عسكرية، في حين حافظت 18 عاصمة فقط على الشكل التقليدي للاحتفالات، بما في ذلك مرور بعض الآليات الأرضية، سواء الحديثة أو التاريخية. ويظهر هذا التوزيع أن القلق الأمني لم يعد محصوراً بالمناطق الحدودية القريبة من أوكرانيا مثل بيلغورود وكورسك وبريانسك، بل امتد إلى مناطق أبعد، من بينها مدن في الشمال والشرق الأقصى الروسي.

وجرى أيضاً نقل مسيرة “الفوج الخالدين”، وهي إحدى أبرز الطقوس الشعبية المرتبطة بـ “يوم النصر”، إلى الصيغة الافتراضية في معظم الأقاليم. وتقوم هذه المسيرة عادة على رفع المواطنين صور أقاربهم الذين قاتلوا أو قتلوا في الحرب العالمية الثانية. غير أن تحويلها إلى الإنترنت عكس خشية مزدوجة: الأولى أمنية، تتعلق بإمكانية استهداف التجمعات الكبيرة، والثانية سياسية، مرتبطة بإمكانية تحوّل المسيرة إلى مساحة غير مضبوطة لظهور صور قتلى الحرب الحالية في أوكرانيا، بما قد يسلط الضوء على حجم الخسائر البشرية الروسية.

عزلة رقمية ولوجستية

في موسكو، بدت الإجراءات الأمنية أكثر صرامة. فقد فرضت السلطات عزلة رقمية ولوجستية غير مسبوقة حول العاصمة خلال الأيام التي سبقت العرض وبلغت ذروتها في يوم الاحتفال. وشملت الإجراءات قطع خدمات الإنترنت المتنقل والرسائل النصية في نطاق واسع داخل الطريق الدائري للعاصمة، إضافة إلى إغلاق مناطق محيطة بالكرملين أمام السياح والزوار. كما فُعّلت إجراءات طوارئ جوية أثرت على حركة المطارات الرئيسية، ما أدى إلى تأجيل أو إلغاء عشرات الرحلات.

وانعكست هذه التدابير على الحياة اليومية في موسكو. فقد تعطلت بعض خدمات الدفع الإلكتروني وتطبيقات سيارات الأجرة والتوصيل، كما واجهت أجهزة صراف آلي مشكلات مرتبطة بانقطاع الاتصالات. وبذلك تحوّل “يوم النصر” من مناسبة لإظهار قدرة الدولة على التنظيم والانضباط إلى مناسبة تكشف مقدار الكلفة المطلوبة لتأمين حدث رمزي في قلب العاصمة.

امتداد المعركة التاريخية

سياسياً، سعى الرئيس فلاديمير بوتين إلى إعادة توظيف رمزية الحرب العالمية الثانية في خدمة السردية الروسية للحرب الراهنة. ففي خطابه من منصة الساحة الحمراء، ربط بوتين بين “روح الصمود السوفياتي” في مواجهة الغزو النازي عام 1941 وبين ما تصفه موسكو اليوم بمعركة ضد قوة عدوانية مدعومة من الغرب وحلف شمال الأطلسي. واعتمد الخطاب على الدمج بين الماضي والحاضر، مقدماً الحرب في أوكرانيا بوصفها امتداداً لمعركة تاريخية أوسع من أجل بقاء روسيا وسيادتها.

وجرى تعزيز هذا الربط بصرياً عبر ترتيب منصة الضيوف. فقد جلس إلى جوار بوتين محاربون قدامى من الحرب العالمية الثانية، إلى جانب مقاتل من الجيل الحالي شارك في الحرب الأوكرانية. هذا المشهد لم يكن عفوياً؛ فقد هدف إلى تثبيت صورة الاستمرارية بين الجيل الذي قاتل النازية والجيل الذي يقاتل اليوم باسم الدولة الروسية. وبهذا المعنى، لم يكن العرض مُجرد احتفال عسكري، بل عملية سياسية لإنتاج الشرعية وربط الحرب الحالية بإحدى أكثر الذاكرات قداسة في الوجدان الروسي.

على المستوى الدبلوماسي، حاول الكرملين استخدام المناسبة لكسر صورة العزلة الدولية التي فرضتها الحرب منذ عام 2022. فرغم غياب القادة الغربيين واستمرار المقاطعة الرسمية، حضر عدد من قادة الدول الحليفة أو القريبة من موسكو، من بينهم الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو، والرئيس الكازاخستاني قاسم جومارت توكاييف، والرئيس الأوزبكي شوكت ميرضيايف، إلى جانب شخصيات من آسيا وإفريقيا ومناطق انفصالية مدعومة من روسيا.

وكانت المشاركة الكورية الشمالية من أبرز إشارات العرض. فقد شاركت وحدات مشاة من الجيش الكوري الشمالي في الاستعراض، في خطوة ذات رمزية عالية تعكس تعمق الشراكة بين موسكو وبيونغ يانغ بعد توقيع معاهدة الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين عام 2024. ووفق المادة المرفقة، جاءت هذه المشاركة في سياق تقدير روسي للدور الذي لعبته قوات كورية شمالية أرسلت لدعم العمليات الروسية، خصوصاً في منطقة كورسك، حيث تعرضت لخسائر كبيرة.

اصطفافات دولية

يشير هذا الحضور إلى أن الحرب في أوكرانيا لم تعد صراعاً أوروبياً محدوداً، بل أصبحت جزءاً من شبكة اصطفافات دولية أوسع. روسيا، التي كانت تحرص سابقاً على إبراز اعتمادها على قوتها الذاتية، بدت أكثر استعداداً للاحتفاء علناً بمساندة حلفاء غير غربيين، حتى عندما يحمل ذلك دلالات على الحاجة إلى دعم بشري ولوجستي خارجي.

في المقابل، برزت زيارة رئيس الوزراء السلوفاكي روبرت فيتسو بوصفها حالة دبلوماسية استثنائية. فهو الزعيم الوحيد من داخل الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو الذي توجه إلى موسكو في هذه المناسبة، رغم أنه تجنب الظهور العلني في الساحة الحمراء. وقد التقى بوتين وعقد محادثات معه، كما وضع الزهور على ضريح الجندي المجهول. وتحمل هذه الزيارة أبعاداً تتجاوز البروتوكول، خصوصاً في ظل الخلافات المتصاعدة حول الطاقة، وتضرر سلوفاكيا والمجر من اضطراب تدفقات النفط الروسي عبر خط “دروجبا”.

كما اتخذت الزيارة بعداً سياسياً مرتبطاً بالحرب نفسها، فقد حمل فيتسو رسائل غير مباشرة بين كييف وموسكو، في محاولة لتثبيت دور سلوفاكيا كقناة خلفية محتملة. غير أن الصعوبات التي واجهتها طائرته للوصول إلى موسكو، بعد رفض دول البلطيق وبولندا السماح لها بعبور أجوائها، أظهرت حجم الانقسام الأوروبي حول أي تواصل مباشر مع الكرملين.

هدنة بتوقيع أمريكي

ميدانياً، جاءت الاحتفالات في ظل هدنة مؤقتة لمدة ثلاثة أيام، بوساطة أمريكية قادها الرئيس دونالد ترامب، وشملت تعليقاً للأنشطة العسكرية وعقد صفقة تبادل أسرى واسعة، تضمنت ألف أسير من كل جانب. غير أن هذه الهدنة لم تعكس تهدئة استراتيجية حقيقية بقدر ما عكست براغماتية مؤقتة فرضتها حسابات الطرفين. فكييف وجدت في التبادل فرصة لاستعادة عدد كبير من جنودها، بينما احتاجت موسكو إلى تقليل احتمالات التصعيد خلال يوم رمزي شديد الحساسية.

وسبقت الهدنة موجة تصعيد عنيفة. فقد أعلنت روسيا إسقاط مئات الطائرات المسيّرة الأوكرانية في ليلة العرض، بينما استهدفت هجمات منشآت نفطية ومواقع حيوية داخل الأراضي الروسية. في المقابل، لوّحت موسكو برد صاروخي واسع على كييف إذا تعرض موكب “يوم النصر” لأي محاولة استهداف أو تشويش. وتكشف هذه الديناميكية أن الهدنة لم تكن مؤشراً إلى اقتراب التسوية، بل كانت أقرب إلى “استراحة محارب” في صراع لا يزال كل طرف يسعى فيه إلى تحسين شروطه قبل أي مسار تفاوضي جدي.

إنتاج الرمزية السياسية

يقدم “يوم النصر” الروسي لعام 2026 صورة مركبة عن دولة لا تزال قادرة على إنتاج الرمزية السياسية، لكنها تواجه صعوبات متزايدة في تحويل هذه الرمزية إلى استعراض قوة غير مشروط. فقد ظهر الكرملين حريصاً على تأكيد تماسكه الداخلي واستمرار تحالفاته الخارجية، لكنه فعل ذلك وسط إجراءات أمنية قاسية، وغياب لافت للمعدات الثقيلة، واتساع رقعة الإلغاءات في الأقاليم، واعتماد متزايد على شركاء خارجيين.

وهكذا، لم يكن الاحتفال مجرد ذكرى تاريخية، بل مرآة للحرب نفسها: حرب طويلة، مفتوحة، تستنزف القدرات وتعيد تشكيل الأولويات وتفرض على موسكو الانتقال من منطق الاستعراض الهجومي إلى منطق التحصين والدفاع السلبي. وبينما حاول بوتين ربط معركة اليوم بانتصار الأمس، أظهر المشهد أن الذاكرة التاريخية، مهما بلغت قوتها، لم تعد كافية وحدها لإخفاء كلفة الحرب، ولا حدود القدرة الروسية على التحكم الكامل بصورة القوة.