في أول إعلان من نوعه منذ عودته إلى البيت الأبيض في يناير 2025، كشف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن “الاستراتيجية الأمريكية الجديدة لمكافحة الإرهاب”، في وثيقة تحمل ملامح إعادة صياغة جذرية للعقيدة الأمنية لواشنطن، تحت شعار “السلام من خلال القوة” و”أمريكا أولاً”.
تقدّم الوثيقة رؤية موسعة للأمن القومي تتجاوز الإطار التقليدي لملاحقة التنظيمات الجهادية، لتدمج في تعريف التهديدات عصابات الجريمة المنظمة العابرة للحدود، وخصوماً أيديولوجيين داخليين، في تحول يعكس انتقالاً لافتاً نحو مقاربة أمنية شاملة وأكثر اتساعاً.
ترسم الاستراتيجية الجديدة ملامح مرحلة أمنية أكثر تشدداً، تعيد فيها إدارة ترامب ترتيب أولوياتها بين الخارج والداخل، واضعة الهجرة غير النظامية، وتهريب المخدرات، والجماعات المسلحة، ضمن سلة تهديد واحدة مرتبطة مباشرة بالأمن القومي. وفي قلب هذه المقاربة، تبرز إيران بوصفها “الدولة الأولى الراعية للإرهاب”، فيما تتعهد واشنطن بتوسيع أدواتها من العقوبات إلى العمليات السيبرانية والسرية، مروراً بالاستخدام المباشر للقوة العسكرية ضد ما تصفه بـ “البنى التحتية للإرهاب”.
وبين خطاب يربط الأمن بالردع، وآخر يعيد تعريف حدود الخصومة السياسية والأمنية، تبدو الاستراتيجية الأمريكية الجديدة أكثر من مجرد تحديث دوري لوثيقة أمن قومي؛ إذ تعكس تحوّلاً أعمق في كيفية إدراك واشنطن لمصادر الخطر، وحدود المواجهة، وطبيعة العلاقة بين الأمن الداخلي والنفوذ العالمي في مرحلة دولية تتسم بتصاعد التهديدات المركبة وتداخل الملفات.
من التنظيمات الجهادية إلى العصابات العابرة للحدود
تعكس الوثيقة تحولاً لافتاً في العقيدة الأمنية الأمريكية، إذ لم تعد مكافحة الإرهاب مقتصرة على تنظيمات مثل “القاعدة” و”داعش”، بل امتدت لتشمل كارتلات المخدرات والجماعات الإجرامية العابرة للحدود.
أكد ترامب أن إدارته صنفت عدداً من العصابات الإجرامية كمنظمات إرهابية، وبدأت باستخدام “قوة الجيش الأمريكي وقدراته” لتعطيل عملياتها، مع التركيز على وقف تهريب المخدرات والأسلحة والاتجار بالبشر إلى الولايات المتحدة.
في هذا السياق، ربطت الاستراتيجية بين ملف الهجرة غير النظامية والأمن القومي، معتبرة أن الحدود المفتوحة خلال إدارة الرئيس السابق جو بايدن، سمحت بتوسع نفوذ العصابات والجماعات المسلحة داخل الأراضي الأمريكية.
وترى الإدارة الأمريكية الحالية أن تهريب المخدرات، خصوصاً مادة الفنتانيل، يمثل تهديداً وجودياً يفوق في خطورته بعض التهديدات العسكرية التقليدية.
إيران في صدارة الخصوم.. وتصعيد ضد “الدول الراعية للإرهاب”
وضعت الاستراتيجية الجديدة إيران في قلب التهديدات الأمنية العالمية، ووصفتها بأنها “الدولة الأولى الراعية للإرهاب”.
وقد أشار ترامب إلى أن عمليتي “مطرقة منتصف الليل” و”الغضب الملحمي” استهدفتا ما وصفه بالقدرات النووية الإيرانية، مؤكداً أن واشنطن لن تسمح لطهران بامتلاك سلاح نووي “أبداً”.
كما تتبنى الوثيقة نهجاً أكثر صرامة تجاه الدول المتهمة بدعم جماعات مسلحة أو توفير تقنيات عسكرية لها، بما في ذلك الطائرات المسيّرة والأسلحة ذات الاستخدام المزدوج. وتتضمن الاستراتيجية استخدام أدوات متعددة تشمل: العقوبات الاقتصادية، والعمليات السيبرانية الهجومية، واعتراض شبكات التمويل، بالإضافة إلى العمليات السرية ضد الجهات الداعمة للجماعات المسلحة.
أما في ما يتعلق بالشرق الأوسط، أعلن ترامب أن إدارته “أنهت الحرب في غزة” ونجحت في إطلاق سراح الرهائن، إلى جانب إطلاق ترتيبات أمنية جديدة تهدف لمنع تحول القطاع إلى “ملاذ للتطرف”.
وتحدثت الوثيقة عن إنشاء “مجلس السلام” ليعمل على ربط الأمن بالتنمية الاقتصادية والاستقرار الإقليمي، في إطار مقاربة تعتبر أن محاربة الإرهاب لا تقتصر على العمل العسكري فقط، بل تشمل أيضاً إعادة تشكيل البيئة السياسية والاقتصادية الحاضنة للتطرف.
انتقادات حادة لإدارة بايدن وأجهزة الاستخبارات
خصصت الوثيقة مساحة واسعة لانتقاد إدارة بايدن، متهمة إياها بـ”تسييس” أدوات مكافحة الإرهاب واستخدام المؤسسات الأمنية ضد الخصوم السياسيين.
وذكرت الاستراتيجية أن بعض وكالات الأمن والاستخبارات انشغلت ـ بحسب وصفها ـ بملاحقة محافظين أمريكيين ونشطاء يمينيين، بينما جرى التقليل من خطر “التطرف اليساري العنيف”.
كما شددت الإدارة الحالية على أن صلاحيات مكافحة الإرهاب “لن تُستخدم ضد الأمريكيين بسبب آرائهم السياسية”، في محاولة لتقديم الاستراتيجية الجديدة باعتبارها إعادة ضبط للعلاقة بين الأمن والحريات المدنية.
ثلاث جبهات رئيسية للتهديد
بحسب الوثيقة، تواجه الولايات المتحدة ثلاثة أنواع رئيسية من التهديدات الإرهابية: الجماعات الجهادية التقليدية، وعصابات المخدرات والجريمة المنظمة العابرة للحدود، وجماعات اليسار المتطرف والفوضويين.
وتحذر الاستراتيجية من تنامي التعاون بين هذه الأطراف، إضافة إلى وجود تحالفات جديدة بين جماعات متشددة ودول خصمة لواشنطن.
كما تشير إلى مخاوف متزايدة من استخدام الطائرات المسيّرة والأسلحة البيولوجية أو الإشعاعية من قبل جهات غير حكومية، معتبرة أن خطر حصول جماعات إرهابية على أسلحة دمار شامل لا يزال “التهديد الأخطر” للأمن الأمريكي.
“السلام عبر القوة”.. العودة إلى العقيدة الردعية
تعكس الوثيقة بوضوح عودة الإدارة الأمريكية إلى مقاربة ردعية تقوم على توسيع استخدام القوة العسكرية والأمنية في الداخل والخارج، مع منح الأولوية للعمليات السريعة والمركزة ضد ما تصفه واشنطن بالتهديدات المباشرة.
قال ترامب إن الرسالة الأساسية لاستراتيجيته هي أن الولايات المتحدة “ستلاحق وتستهدف” أي جهة تخطط لاستهداف الأمريكيين، في تأكيد على العودة إلى سياسة الضربات الاستباقية والعمليات الخاصة العابرة للحدود.
تمثل هذه الاستراتيجية امتداداً أكثر تشدداً لعقيدة ترامب خلال ولايته الأولى، لكنها تحمل هذه المرة توجهاً أوسع يدمج بين ملفات الإرهاب والهجرة والمخدرات والصراع الأيديولوجي الداخلي ضمن إطار أمني واحد.
تكشف الاستراتيجية الأمريكية الجديدة لمكافحة الإرهاب عن تحوّل عميق في تعريف واشنطن لمصادر التهديد وأدوات المواجهة، حيث بات الأمن الداخلي والهجرة والجريمة المنظمة جزءاً لا يتجزأ من عقيدة مكافحة الإرهاب الأمريكية.
وبينما تقدم إدارة ترامب هذه المقاربة باعتبارها استعادة للردع الأمريكي وهيبة الدولة، يثير اتساع تعريف “الإرهاب” ليشمل خصوماً سياسيين وأيديولوجيين داخل الولايات المتحدة تساؤلات واسعة حول حدود استخدام السلطة الأمنية، ومستقبل العلاقة بين الأمن القومي والحريات المدنية في المرحلة المقبلة.















