بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

مقالات مشابهة

مخاوف متنامية

ديون العالم عند عتبة تاريخية: 353 تريليون دولار تعيد رسم خريطة النفوذ المالي 2026

بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

سجّل الدين العالمي مستوى قياسياً جديداً اقترب من 353 تريليون دولار بنهاية الربع الأول من العام الجاري، في وقت بدأت الأسواق ترصد تحولات تدريجية في شهية المستثمرين بعيداً عن سندات الخزانة الأمريكية، التي طالما اعتُبرت الملاذ الأكثر أماناً في النظام المالي العالمي؛ وذلك بحسب تقرير حديث لمعهد التمويل الدولي.

أظهر تقرير “مراقبة الدين العالمي” الفصلي الصادر عن المعهد، بدلالاته التي تتجاوز مجرد الأرقام، أن الارتفاع المتسارع في مستويات الاقتراض العالمي لم يعد مقتصراً على الاقتصادات الناشئة أو الدول المثقلة بالعجز، بل بات مرتبطاً بشكل مباشر بالسياسات المالية الأمريكية، وبالتحولات الجيوسياسية والاقتصادية التي تدفع المستثمرين لإعادة تقييم مراكزهم المالية طويلة الأجل.

لفت التقرير إلى أن حملة الاقتراض التي شنتها واشنطن، لتمويل الإنفاق العام على البنية التحتية والدفاع والتحفيز الاقتصادي، كانت أحد العوامل الرئيسية وراء ارتفاع الدين العالمي بأكثر من 4.4 تريليون دولار في الربع الأول، وهي أسرع قفزة منذ منتصف عام 2025، والزيادة الفصلية الخامسة على التوالي، وسط مخاوف متنامية من دخول الاقتصاد العالمي مرحلة جديدة من الاعتماد المفرط على الاقتراض.

ابتعاد تدريجي عن السندات الأمريكية

أظهر التقرير مؤشرات على تنويع المستثمرين الدوليين لاستثماراتهم بعيداً عن سندات الخزانة الأمريكية، مقابل ارتفاع ملحوظ في الطلب على السندات الحكومية اليابانية والأوروبية. ورغم تأكيد إمري تيفتيك، مدير الأسواق العالمية والسياسات في المعهد، على أن سوق السندات الأمريكية البالغة قيمتها نحو 30 تريليون دولار لا تواجه “خطراً فورياً”، إلا أن المسار طويل الأمد للدين الحكومي الأمريكي يبدو أنه يسلك طريقاً “غير مستدام”.

هذا التحول، وإن كان لا يزال تدريجياً، يحمل دلالات استراتيجية عميقة، إذ لطالما شكّلت سندات الخزانة الأمريكية العمود الفقري للنظام المالي العالمي، والوجهة الأولى للاحتياطيات النقدية والاستثمارات السيادية. وتراجع الثقة النسبية بها يرتبط بعدة عوامل، من بينها ارتفاع أسعار الفائدة الأمريكية، والتجاذبات السياسية الداخلية حول سقف الدين، إضافة إلى المخاوف من تضخم الدين الفيدرالي بوتيرة تتجاوز النمو الاقتصادي الحقيقي.

اقتصادات تحت ضغط متزايد

تشير تقديرات مكتب الميزانية في الكونغرس الأمريكي إلى أن نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي في الولايات المتحدة قد تتجاوز 120% خلال السنوات المقبلة، إذا استمرت السياسات المالية الحالية دون تعديلات جوهرية. في المقابل، بدأت نسب الدين في منطقة اليورو واليابان تتراجع تدريجياً، ما يعكس تحسناً نسبياً في الانضباط المالي مقارنة بالولايات المتحدة.

وسجلت مستويات الدين في الاقتصادات المتقدمة الأخرى تراجعاً طفيفاً، فيما ارتفع الدين في الأسواق الناشئة – باستثناء الصين – إلى مستوى قياسي بلغ 36.8 تريليون دولار، مدفوعاً أساساً بالاقتراض الحكومي. وهو ما يعكس الضغوط المتزايدة التي تواجهها الدول النامية، خصوصاً مع ارتفاع كلفة التمويل العالمية واستمرار أسعار الفائدة عند مستويات عالية نسبياً.

في المقابل، استقرت نسب الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي عالمياً عند نحو 305%، وهي نسبة ضخمة تعني أن حجم الديون العالمية يفوق بأكثر من ثلاثة أضعاف حجم الاقتصاد العالمي بأكمله.

ورغم استقرار النسبة ظاهرياً منذ عام 2023، إلا أن الاتجاهات الداخلية تكشف تبايناً واضحاً: انخفاضٌ نسبي في الاقتصادات المتقدمة مقابل ارتفاع مستمر في تلك الناشئة.

الصين تقود طفرة ديون جديدة

سجّلت الصين تسارعاً حاداً في ديون الشركات غير المالية، وخاصة المملوكة للدولة، بوتيرة تجاوزت نمو الاقتراض الحكومي نفسه. وهو اتجاه يؤكد استمرار اعتماد بكين على هذه الكيانات لدعم النشاط الاقتصادي وتحفيز النمو في ظل تباطؤ سوق العقارات وضعف الاستهلاك المحلي.

تواجه الصين أيضاً معضلة معقدة تتمثل في الحاجة إلى ضخ سيولة وتحفيز الاقتصاد من جهة، ومحاولة احتواء مستويات الدين المتضخمة من جهة أخرى، خاصة في قطاع العقارات والبنية التحتية.

ورغم أن بكين لا تزال تمتلك أدوات مالية ونقدية واسعة، إلا أن ارتفاع مديونية الشركات الحكومية يثير قلق الأسواق بشأن كفاءة الاستثمار ومستقبل النمو طويل الأمد.

نحو مزيد من الاقتراض

حذّر المعهد في تقريره من أن الحكومات والشركات العالمية تتجه نحو موجة جديدة من التوسع في الديون على المدى المتوسط والطويل، مدفوعة بعوامل هيكلية يصعب تجنبها، من أبرزها:

1) شيخوخة السكان وارتفاع تكاليف الرعاية الاجتماعية.

2) زيادة الإنفاق الدفاعي في ظل التوترات الجيوسياسية.

3) الاستثمارات الضخمة في أمن الطاقة.

4) الإنفاق المتسارع على الأمن السيبراني.

5) الطفرة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية.

كل هذا يثير تساؤلات حقيقية حول قدرة الاقتصاد العالمي على تحمّل مستويات الدين الحالية دون التعرض لهزات مالية جديدة.

مرحلة جديدة في النظام المالي العالمي

إن الأرقام القياسية للدين، وتزايد الاعتماد على الاقتراض، وظهور بوادر إعادة توزيع للاستثمارات الدولية، كلها مؤشرات توحي بأن الاقتصاد العالمي يقف أمام مرحلة أكثر حساسية وتعقيداً مما كان عليه خلال العقد الماضي، وبأن التحولات التي رصدها التقرير لا تتعلق فقط بتضخم الديون، بل تعكس أيضاً بداية إعادة تموضع تدريجية في النظام المالي العالمي. فإذا استمرت وتيرة تنويع المستثمرين بعيداً عن الأصول الأمريكية، قد نشهد خلال السنوات المقبلة تغيرات أعمق في توازنات القوة المالية، وربما تراجعاً نسبياً في الهيمنة التقليدية للدولار والسندات الأمريكية.

لكن حتى الآن، لا تزال الولايات المتحدة تحتفظ بأكبر وأعمق سوق مالية في العالم، يصعب تجاوزها، كما أن الدولار يبقى العملة الاحتياطية رقم واحد للجميع.