بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

توقيفات العقبة

الأردن يُحكم القبضة الأمنية ويدخل مرحلة الحسم النهائي لتفكيك البنية التنظيمية لجماعة “الإخوان المسلمين”

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

تمضي المملكة الأردنية في ترسيخ معادلة الحسم القانوني – الأمني في مواجهة “جماعة الإخوان المسلمين”، عبر انتقال مدروس من سياسة الاحتواء إلى استراتيجية التفكيك الشامل. وتأتي توقيفات العقبة، التي أعلنتها وزارة الداخلية على خلفية نشاط تنظيمي غير مرخص، كحلقة متقدمة ضمن هذا المسار، تؤكد أن الحظر لم يعد إطاراً قانونياً نظرياً، بل سياسة تنفيذية تُترجم ميدانياً.

تحمل هذه التوقيفات دلالة تتجاوز بعدها الإجرائي، إذ تعكس انتقال الدولة إلى مرحلة التطبيق الصارم للحظر، عبر ملاحقة أي محاولة لإعادة تنشيط البنية التنظيمية، حتى في حدود ضيقة أو غير معلنة. انعقاد اجتماع غير مرخص، أياً كان حجمه، يُقرأ أمنياً بوصفه مؤشراً على وجود شبكات تواصل داخلية تسعى للحفاظ على الحد الأدنى من التنسيق، وهو ما يدفع الأجهزة إلى التدخل السريع لمنع تبلور أي بنية قابلة للتوسع.

في هذا الإطار، لا تبدو واقعة العقبة معزولة، بل جزءاً من مسار بدأ يتكرس منذ العام 2025، عنوانه نقل ملف الجماعة من حيز التنافس السياسي إلى دائرة الضبط الأمني المنهجي. لا يقتصر هذا التحول على قرارات الحظر أو التوقيف، بل يمتد إلى إعادة تعريف المجال العام، بحيث يُعاد رسم حدوده وفق معايير قانونية صارمة تُقصي أي نشاط خارج الأطر المرخصة.

من التدرّج إلى الحسم

اعتمدت عمّان لسنوات سياسة التدرّج في التعامل مع الجماعة، مفضّلة الاحتواء على المواجهة. غير أن هذا النهج بدأ يتراجع مع تصاعد المخاوف المرتبطة بأنشطة وصفتها السلطات بغير التقليدية، وتحدثت فيها عن شبكات تعمل على تطوير وسائل تخريبية داخل المملكة.

وعلى الرغم من نفي الجماعة أي صلة تنظيمية مباشرة، فإن التقدير الرسمي اعتبر هذه القضايا مؤشراً على تحوّل نوعي في طبيعة التهديد، ما استدعى الانتقال من الضبط السياسي إلى الحسم القانوني. وقد شكّل حكم محكمة التمييز العام 2020، الذي اعتبر الجماعة منحلة قانونياً، نقطة ارتكاز لهذا التحول.

في أبريل/نيسان 2025، دخلت الدولة مرحلة التنفيذ الحاسم بإعلان حظر الجماعة رسمياً، مترافقاً مع إجراءات شاملة شملت إغلاق المقرات، ومصادرة الأصول، وتجريم الانتساب والترويج. لم يكن القرار منفصلاً عن سياق أوسع، بل جاء ضمن رؤية لإعادة تنظيم المجال السياسي على أسس قانونية واضحة، تحصر العمل العام ضمن القنوات المرخصة.

منذ ذلك الحين، بات الحظر أداة لإعادة هندسة البيئة السياسية، عبر تقليص نفوذ الكيانات غير المنضبطة قانونياً، وتعزيز مركزية الدولة في إدارة الحياة الحزبية. بهذا المعنى، لم يعد التعامل مع الجماعة شأناً سياسياً قابلاً للتفاوض، بل ملفاً قانونياً مغلقاً.

تفكيك البنية المالية

بالتوازي مع الإجراءات الأمنية، ركّزت السلطات على البعد المالي، باعتباره أحد أعمدة استمرارية الجماعة. وشملت الخطوات ملاحقة جمعيات وشركات يُشتبه باستخدامها كواجهات تمويلية، في إطار سياسة تهدف إلى تجفيف الموارد وإغلاق قنوات الدعم.

تعكس هذه المقاربة فهماً بأن تفكيك أي بنية تنظيمية لا يتحقق فقط عبر الحظر، بل عبر استهداف شبكاتها الاقتصادية. ومع تضييق الخناق المالي، تتراجع قدرة هذه البنى على إعادة إنتاج نفسها أو الحفاظ على تماسكها الداخلي.

تاريخياً، لم تكن العلاقة بين الدولة والجماعة صدامية. فمنذ خمسينيات القرن الماضي، شكّلت الجماعة حليفاً ضمنياً للنظام في مواجهة التيارات القومية واليسارية. غير أن هذا التوازن بدأ يتآكل تدريجاً مع تغير البيئة الإقليمية وتبدل أولويات الدولة.

وخلال العقد الأخير، تسارعت وتيرة التباعد، وصولاً إلى إعادة تصنيف الجماعة ككيان خارج الشرعية القانونية. هذا التحوّل يعكس إعادة تعريف الدولة لأولوياتها الأمنية، بقدر ما يعكس تراجع قدرة الجماعة على التكيّف مع المتغيرات السياسية.

البعد الدولي

يتقاطع المسار الأردني مع نقاشات أوسع في الولايات المتحدة وأوروبا حول طبيعة “جماعة الإخوان المسلمين” ودورها العابر للحدود. وكانت أمريكا قد أعلنت بداية العام الجاري 2026 فرض تصنيفات إرهابية على فروع من التنظيم في كلٍّ من مصر ولبنان والأردن. يوفر هذا المناخ الدولي غطاءً غير مباشر للمقاربات الأكثر تشدداً، ويعزز من قدرة الدول على تبرير إجراءاتها ضمن إطار أوسع يتعلق بمكافحة التهديدات غير التقليدية.

في ضوء ما سبق، تمثل توقيفات العقبة محطة تثبيت لسياسة “الصفر التنظيمي” خارج الأطر المرخصة، فهي لا تستهدف نشاطاً بعينه بقدر ما تعكس توجهاً لمنع إعادة التشكل التنظيمي في مراحله المبكرة، عبر مقاربة استباقية تقوم على التفكيك قبل التمكين.

تعكس هذه السياسة انتقال الأردن إلى مرحلة جديدة في إدارة ملف الإسلام السياسي، قوامها الحسم والاستباق بدلاً من الاحتواء. ومع استمرار هذا النهج، يتجه المجال العام نحو مزيد من الانضباط، حيث يُعاد ضبط قواعد العمل السياسي ضمن أطر قانونية محددة. بهذا المعنى، لا تشكل العقبة حدثاً استثنائياً، بل تأكيداً لمسار مستمر: الحظر لم يعد نهاية تنظيم، بل أداة لإعادة تشكيل المشهد السياسي برمّته.