تونس - نور الدين بالطيب
تونس - نور الدين بالطيب

مقالات مشابهة

هوية عابرة للحدود

أنطولوجيا “عسل الأرض”: استراتيجية “النشر الموازي” وتفكيك عُزلة الجغرافيا الثقافية المغاربية

تونس - نور الدين بالطيب
تونس - نور الدين بالطيب

يتجاوز صدور أنطولوجيا “عسل الأرض” خلال الدورة الأربعين لمعرض تونس الدولي للكتاب، كونه حدث أدبي عابر فحسب، ليعلن عن ولادة “كتلة ثقافية حرجة” تسعى لإعادة تعريف المشهد المغاربي من منظور الأجيال الشابة.

المشروع الذي شارك في إعداده شعراء من تونس وليبيا والجزائر والمغرب، لا يقدم نصوصاً إبداعية فحسب، بل يطرح نموذجاً “تشغيلياً” للتغلب على عوائق التوزيع واللوجستيات التي فرضتها الأنظمة السياسية والحدود المغلقة. من خلال اعتماد آلية النشر المتزامن في أربع عواصم، يبرز الكتاب كوثيقة سياسية وثقافية تعكس رغبة هذا الجيل في صياغة هوية عابرة للحدود، متحررة من إرث “الدولة الوطنية” الفاشلة في تحقيق الاندماج الإقليمي.

أزمة “الجزر المعزولة”

شهد معرض تونس الدولي للكتاب (أبريل – مايو 2026) إطلاق أنطولوجيا “عسل الأرض”، التي أعدتها لجنة مشتركة ضمت خلود الفلاح، معز ماجد، حكيم ميلود، وعبد الرحيم الخصار. تمثل المبادرة حلاً مبتكراً لأزمة “الجزر المعزولة” بين دول المغرب الكبير؛ إذ صدرت الأنطولوجيا في أربع طبعات محلية (تونس، بنغازي، الجزائر، الدار البيضاء) لتفادي قيود التوزيع البيني. 

تركز المادة المختارة على شعراء ما بعد عام 1970، مع انحياز جمالي صريح لقصيدة النثر، مستهدفةً تقديم رؤية حداثية للوعي الشعري المغاربي الجديد الذي تشكل في ظل الثورة الرقمية والتعددية اللغوية، بعيداً عن صراعات التأسيس الأيديولوجية القديمة.

يأتي ظهور “عسل الأرض” في توقيت يتسم بجمود المؤسسات الثقافية الرسمية التابعة لاتحاد المغرب العربي، والتي ظلت أسيرة التوازنات السياسية الهشة والخلافات الدبلوماسية المزمنة. إن اختيار لحظة “معرض تونس” ليس مجرد مصادفة، بل هو استثمار في المنصة الثقافية الأبرز إقليمياً لتوجيه رسالة مفادها أن الفاعل الثقافي المستقل بات قادراً على تجاوز العقبات التي عجزت عنها “الدبلوماسية الرسمية”.

المحرك الأساسي لهذه الخطوة الآن هو تراكم شعور “بالاغتراب المتبادل” بين شعراء المنطقة؛ حيث يجد الشاعر المغاربي نفسه أكثر قرباً من دوائر النشر في باريس أو المشرق العربي منه إلى جاره الجغرافي. هذا الانسداد اللوجستي والمعرفي دفع شعراء “جيل الثمانينات والتسعينات” إلى التحرك لإثبات أن “المجال الحيوي” للإبداع المغاربي لا يمكن أن يظل رهينة للحدود السياسية البرية المغلقة أو البيروقراطية الجمركية التي تقتل الكتاب.

بين “وحدة النص” وتشرذم الواقع

يكشف المشروع عن تناقض بنيوي عميق في المنطقة المغاربية؛ فبينما يتحدث الشعراء لغة جمالية واحدة (قصيدة النثر) ويشتركون في مرجعيات ثقافية كوزموبوليتانية، تظل قنوات التواصل المادي بينهم مقطوعة. هذا التناقض دفع الناشرين إلى تبني استراتيجية “الطبعات المتعددة”، وهي اعتراف ضمني بهزيمة فكرة “السوق الثقافية الواحدة”.

يظهر التناقض في “الخط التحريري” للأنطولوجيا؛ فهي إذ تنادي بكسر العزلة، تمارس “إقصاءً جمالياً” متعمداً ضد الأشكال التقليدية (العمود والتفعيلة)، مما يضعها في مواجهة مع تيارات محافظة في المشهد الثقافي. كما أن التركيز على شعراء ما بعد 1970 يطرح تساؤلاً حول مدى قدرة هذا الجيل على بناء “شرعية إبداعية” منفصلة تماماً عن الآباء المؤسسين، دون أن يقع في فخ “النخبوية اللغوية”، خاصة وأن الأنطولوجيا تحتفي بقدرة هؤلاء الشعراء على الترجمة والتحدث بلغات أجنبية كجزء من هويتهم الشعرية.

المستفيد الأول من هذا المنجز هو “حركة النشر المستقلة” في دول المغرب الكبير، التي أثبتت مرونة فائقة في التنسيق العابر للحدود بعيداً عن الدعم الحكومي المشروط. هذه الدور (بوب ليبريس، دار الجابر، وغيرها) تمكنت من خلق شبكة إنتاج “أفقية” تكسر مركزية العواصم الكبرى.

على صعيد آخر، يمثل الكتاب منصة اعتراف لجيل “الخيبات الوطنية”؛ الشعراء الذين نضجوا في مناخ فشل التنمية وغياب الحريات السياسية. هؤلاء يجدون في الأنطولوجيا “وطناً رمزياً” يعوضهم عن ضيق الأوطان الجغرافية. الاستفادة هنا تتعدى الجانب الأدبي إلى الجانب “التموضعي”؛ حيث تفرض هذه الأسماء نفسها ككتلة واحدة أمام المركز الثقافي المشرقي وأمام القارئ الغربي، مستفيدة من ميزة التعدد اللغوي (الفرنسية والإسبانية) التي تمنح الشعر المغاربي قدرة أكبر على “الاختراق العالمي” مقارنة بنظرائه في المنطقة العربية.

نحو “اتحاد ناشرين” غير رسمي 

من المرجح أن يؤسس نجاح “عسل الأرض” لنمط جديد من العمل الثقافي المغاربي يعتمد على “المبادرات القاعدية” بدلاً من انتظار الاتفاقيات الحكومية. قد نشهد في المستقبل القريب توسعاً في هذا النموذج ليشمل الرواية والترجمة والدراسات الفكرية، مما قد يؤدي في النهاية إلى خلق “سوق افتراضية مشتركة” تتجاوز العوائق السياسية.

ومع ذلك، فإن هذا العمل سيفتح باب السجال واسعاً حول معايير “التمثيل”؛ فكل أنطولوجيا هي بالضرورة فعل “بتر” واختيار. ومن المتوقع أن تظهر ردود أفعال من الأجيال الأكبر سناً أو من الشعراء الذين تم استبعادهم، مما قد يغني الحراك الثقافي لكنه قد يكرس أيضاً انقسامات داخل المشهد الواحد. الأهم من ذلك، هو مدى قدرة هذا المشروع على الوصول إلى القارئ “العادي” خارج النخبة الشعرية، وتحويل “عسل الأرض” من مجرد صرخة احتجاج جمالية إلى مشروع قرائي مستدام يعيد صياغة الوعي الجمعي المغاربي.

إن “عسل الأرض” ليست مجرد تجميع لنصوص شعرية، بل هي “مانيفستو” لجيل يرفض أن يظل حبيس الجغرافيا الممزقة. إنها محاولة لاسترداد “المغرب الكبير” عبر اللغة، بعدما عجزت السياسة عن تحقيقه عبر المؤسسات. إن الرهان القادم يكمن في مدى قدرة هذه الشبكات المستقلة على الصمود أمام الضغوط الاقتصادية والسياسية، وتحويل “النشر الموازي” إلى تقليد راسخ ينهي عصر “الجزر المعزولة”.

 

الكتاب: عسل الأرض (نصوص مغاربية معاصرة)

الناشر: دار الجابر بن غازي، بوب ليبريس تونس، منشورات ضفاف الجزائر، مكتبة السّلام الجديدة المغرب

المؤلف: مؤلف جماعي 

الثمن : 38 د تونسي 12 دولار