الخرطوم - كمال كروري
الخرطوم - كمال كروري

مقالات مشابهة

تقرير إخباري

السودان.. كتيبة “ذبَّاحين” بزي الجيش و”إرهاب” تحت حماية وزير العدل تُنذر بسقوط شرعية الدولة وتفاقم المخاطر الإقليمية

الخرطوم - كمال كروري
الخرطوم - كمال كروري

لم يعد الجَدل حول علاقة القوات المسلحة السودانية بالمجموعات الإسلامية المسلحة مجرد اتهامات سياسية، بل تحول إلى واقع بروتوكولي وعملياتي مُوثق. إن ظهور وزير العدل السوداني برفقة قائد “كتيبة البراء بن مالك”، المصباح طلحة، وتداول مقاطع لمقاتلين من “كتيبة الذَّباحين” ينشطون تحت غطاء “العمل الخاص”، يمثل نقطة تحول في مسار الصراع.

هذا التماهي بين “بذلة الدولة” و”عمامة الإيديولوجيا” لا يُعيد فقط إنتاج نظام الثلاثين عاماً الماضية، بل يضع السودان أمام مُعضلة شرعية دولية كبرى. إنها عملية “انصهار” كاملة، حيث يتم توظيف موارد الدولة العسكرية والعدلية لخدمة أجندة تنظيمية عجزت عن العودة عبر صناديق الاقتراع، فاختارت العودة عبر “فوهات البنادق” وغطاء التحالف مع الجنرالات.

قلق محلي ودولي

منذ اندلاع الحرب المستمرة في السودان منتصف أبريل 2023، تزايد القلق المحلي والدولي من وجود مجموعات مسلحة مُتطرفة داخل الجيش، مثل “كتيبة البراء” التي صنّفتها الولايات المتحدة، في مارس 2026، منظمة إرهابية.

في مقطع فيديو آخر نُشر قبل أيام، يظهر أحد عناصر كتيبة “الذَّباحين” في قوات العمل الخاص التابعة للجيش، إلى جانب أحد ولاة الولايات السابقين وضابط كبير في الجيش، وهو يتحدث مُحتفيًا بأن كتيبته تقاتل إلى جانب الجيش منذ عام 1997، وهو ما اعتبره مراقبون دليلاً إضافياً على أن الجيش السوداني يُشكّل ذراعاً للكتائب الإخوانية الإرهابية.

يقول الصحفي والمحلل السياسي محمد المختار محمد إن المقطع الذي يظهر فيه عنصر كتيبة “الذَّباحين” يُؤكد تَخفّي الأيديولوجيا الإرهابية وراء الزي العسكري، ويعكس واقع المؤسسة العسكرية السودانية على الأرض، ويُعبّر بشكل صارخ عَمّا آلت إليه القوات المسلحة السودانية.

ويضيف: “إن ظهور عنصر في كتيبة بهذه الخطورة يؤكد الاتهامات التي وُجّهت للجيش السوداني بارتكاب انتهاكات حرب، تمثّلت في ذبح وبقر بطون وقطع رؤوس عدد من الأشخاص خلال الحرب الحالية”.

قطع رؤوس وبقر بطون

في منتصف عام 2024، تعهّدت قيادة الجيش بإجراء تحقيقات حول مقاطع فيديو بشعة لانتهاكات ارتكبتها مجموعات من الجيش، تضمنت عمليات ذبح وقطع رؤوس وبقر بطون، لكن حتى الآن لم تظهر نتائج تلك التحقيقات.

ورصدت هيئات حقوقية عدداً من الانتهاكات المرتكبة، شملت تعذيب أسرى، وحملات اعتقال، وتصفيات، ومُلاحقات طالت مئات المدنيين والسياسيين. وفي حين ترفض قيادة الجيش دخول بعثة تقصٍ دولية، اتهم المتحدث باسم مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، سيف ماجانجو، أطراف القتال بارتكاب انتهاكات وجرائم حرب ضد المدنيين.

حرية تحرك واسعة للمجموعات الإرهابية

يحظى قائد كتيبة البراء، المصباح طلحة، الذي ظهر برفقة وزير العدل ومسؤولين في الحكومة في مناسبة اجتماعية، بحرية تحرك واسعة تجاوزت الميدان العسكري لتصل إلى اختراق المدارس وتكريم أوائل الطلاب، ما يكشف عن استراتيجية “تغلغل ناعم” بعيدة المدى تنتهجها الكتائب الإرهابية.

يُعدّ وزير العدل أحد كوادر حزب المؤتمر الوطني — الجناح السياسي لتنظيم الإخوان — وكان عضواً في هيئة الدفاع عن عناصر الإخوان في قضية انقلاب 1989، الذي حكم الإخوان البلاد بموجبه ثلاثين عاماً، أُدرج السودان خلالها في قائمة الدول الراعية للإرهاب.

بالنسبة للمحامية والمدافعة عن حقوق الإنسان نفيسة حجر، فإن ظهور وزير العدل ومسؤولين حكوميين كبار مع قائد “كتيبة البراء” يعني “اكتمال فصول السقوط النهائي لدولة القانون في السودان”. وتضيف: “هذا المشهد الصادم ليس مُجرد هفوة بروتوكولية، بل هو توثيق حي لعملية تسليم الدولة للميليشيات الإرهابية”.

تداعيات أمنية وإقليمية خطيرة

تتزايد المخاوف من أن يؤدي تغلغل الكتائب الإرهابية داخل الجيش إلى تبعات كارثية على الأمن الدولي والإقليمي، ويُوجّه ضربة لجهود مكافحة الإرهاب، في ظل ارتباط السودان بحدود مباشرة مع سبع دول، وامتلاكه شواطئ تمتد لأكثر من 750 كيلومتراً على البحر الأحمر.

في المقابل، يرى مراقبون أن قائد الجيش عبد الفتاح البرهان ليس إلا واجهة للمجموعات المتطرفة المرتبطة بالجيش. كما يأتي هذا الارتباط بين الجيش والمجموعات الإخوانية في ظل ادعاءات دولية متزايدة — بما في ذلك من مسؤولين أمريكيين ومنظمات غير حكومية مثل “هيومن رايتس ووتش” و”منظمة العفو الدولية” — تتهم الجيش السوداني بارتكاب انتهاكات كبيرة بحق المدنيين، واستخدام مواد كيميائية في عدد من مناطق البلاد خلال الحرب، وفقاً لما أكدته وزارة الخارجية الأمريكية في يونيو الماضي.

وبخلاف المجموعات الإرهابية الأخرى في المنطقة، تكمن خطورة ارتباط الكتائب الإخوانية بالجيش السوداني في أن هذا الارتباط يوفر لها بعداً لوجستياً مع مؤسسة تُسيطر على السلاح والطيران الحربي وتُدير سلطات سيادية، ما يعني أن كتائب الإخوان المسلحة في السودان تمتلك مساحة تحرك أوسع من فروع التنظيم في الدول الأخرى التي أسهمت في زعزعة الاستقرار خلال السنوات الماضية.

لم يعد السؤال ما إذا كان السودان ينهار، بل أصبح: هل المجتمع الدولي مُستعد للاعتراف بأنه، باسم “الاستقرار”، قد يُضفي الشرعية على عودة الدولة الإسلامية نفسها التي أطاح بها المدنيون السودانيون؟ وإذا كان الأمر كذلك، فماذا يعني ذلك بشأن استعداد السودانيين والمجتمع الدولي للقبول بشرعية نظام متطرف آخر في المنطقة؟