رغم موجة التفاؤل التي أعقبت إعلان إعادة فتح مضيق “هرمز”، قبل إغلاقه مجدداً، لم تتفاعل الأسواق العالمية مع الحدث بوصفه نهاية للأزمة، بل كبداية لمرحلة انتقالية معقدة، برز خلالها السؤال الأكثر إلحاحاً: متى يمكن أن تعود أسعار النفط إلى مستويات ما قبل الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران؟
لم تكن الإجابة التي قدمها خبراء الطاقة مطمئنة، فقد رجّحوا أن هذا السيناريو لن يتحقق في المدى القريب، وربما لن يحدث خلال العام الجاري، وقد لا تعود الأسعار إلى سابق عهدها لسنوات، في ظل عودة التوترات التي أججت معها حالة عدم اليقين، وتضاؤل الآمال في تحقيق انفراجة دبلوماسية في الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، بعد أن وصلت المحادثات الرامية إلى إنهاء الصراع المستمر منذ شهرين إلى طريق مسدود.
نهاية الحرب ليست نهاية الأزمة
في حال افتراض توقف الحرب، فإن استعادة التوازن في سوق الطاقة لا ترتبط بوقف العمليات العسكرية فقط، بل تعتمد على سلسلة طويلة من العمليات الفنية واللوجستية والسياسية، التي تجعل العودة إلى “الوضع الطبيعي” عملية تدريجية ومعقدة، وليست نتيجة فورية.
تواجه حركة النفط تحديات لوجستية كبيرة، إذ لأت إعادة فتح المضيق لا تعني عودة فورية لانسيابية الشحن، فهناك عشرات الناقلات التي تعطلت خلال فترة الإغلاق، وتحمل كميات ضخمة من الخام، ما يستلزم وقتاً طويلاً لتفريغ هذا التكدس قبل السماح بدخول ناقلات جديدة، وهو ما يعني أن استعادة الطاقة الكاملة للنقل البحري قد تستغرق أشهراً، خاصة مع بطء حركة الناقلات البحرية.
في الوقت ذاته، يضيف تراكم المخزونات خلال فترة الحرب طبقة أخرى من التعقيد، حيث سيتم أولاً تصريف الكميات التي خزّنها المنتجون نتيجة تعطل التصدير. ورغم أن المصافي لم تبلغ الحد الأقصى من التخزين، فإن هذه المستويات المرتفعة ستؤخر عودة الإنتاج إلى طاقته الكاملة، إذ لا يمكن ضخ كميات جديدة قبل امتصاص الفائض القائم.
إعادة الإنتاج.. عملية تقنية دقيقة
لا تقل إعادة تشغيل الإنتاج تعقيداً عن التحديات اللوجستية، فإغلاق آبار النفط خلال الحرب كان إجراءً واسع النطاق، لكن إعادة تشغيلها تتطلب عمليات هندسية دقيقة تشمل ضبط توازن الضغط داخل المكامن ومتابعة نسب الغاز والمياه المحقونة، مع ضرورة تجنب أي اختلال قد يؤدي إلى انهيار الخزانات النفطية، وهو ما يستدعي تنسيقاً مُكثفاً بين الشركات والدول المنتجة، خاصة أن الحقول في المنطقة مترابطة جيولوجياً، ما يجعل أي خلل في موقع واحد يُؤثر على بقية الحقول.
وتفرض الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية تحدياً إضافياً، إذ تعرضت منشآت تكرير وإنتاج الغاز والنفط لأضرار مباشرة خلال الحرب، ما يعني أن جزءاً من الطاقة الإنتاجية سيظل خارج الخدمة لفترات قد تمتد لسنوات، في وقت تشير فيه التقديرات إلى توقف إنتاج ملايين البراميل يومياً في الشرق الأوسط، وهو ما يجعل استعادة الإمدادات الكاملة عملية بطيئة ومكلفة.
الأسواق بين الشكوك والتقلبات
رغم إعلان إعادة فتح المضيق في حينه، فإن الأسواق لم تتخل عن حذرها، إذ أدت التجارب السابقة مع “إشارات سلام غير مكتملة” إلى إبقاء الأسعار عند مستويات مرتفعة نسبياً، حيث ظل خام برنت أعلى بكثير من مستوياته قبل الحرب، في انعكاس مباشر لعدم ثقة المتعاملين في استدامة التهدئة، وهي الشكوك التي تعززت مُجدداً مع عودة إغلاق “هُرمز”.
ويبقى المسار السياسي العامل الأكثر تأثيراً في تحديد اتجاه السوق، إذ تتوقف استدامة أي انفراجة على طبيعة التفاهمات المرتبطة بالمضيق، سواء من حيث حرية الملاحة أو القيود على الصادرات النفطية، فضلاً عن مستقبل العقوبات والتوازنات الإقليمية، وهي ملفات لا تزال مفتوحة على احتمالات متعددة.
الشحن والتأمين والأسعار
لا يقتصر التعقيد على الجوانب الفنية والسياسية، بل يمتد إلى قطاعي الشحن والتأمين، حيث أدت المخاطر المرتفعة إلى قفزات حادة في تكاليف التأمين البحري، ما يجعل العديد من الشركات مُترددة في استئناف المرور عبر المضيق، خاصة في ظل التهديدات الأمنية السابقة، وهو ما يعني أن عودة حركة الملاحة تعتمد كثيراً على مستوى الثقة لدى الفاعلين في السوق.
وعليه، تشير التقديرات إلى أن عودة أسعار النفط إلى المستويات التي كانت عليها قبل الحرب قد تستغرق سنوات، مع تقلبات ملحوظة تعكس هشاشة الوضع. فهذا المسار أصبح رهينة لمعادلة أكثر تعقيداً تتحكم فيها الجغرافيا السياسية بدلاً من عوامل العرض والطلب التقليدية. ومع استمرار حالة عدم اليقين وإغلاق مضيق “هُرمز”، يبدو أن سوق الطاقة العالمي دخل مرحلة جديدة تتسم بالتقلب الهيكلي، ما يجعل أي حديث عن عودة سريعة إلى “الوضع الطبيعي” أقرب إلى الافتراض منه إلى الواقع.















