الخرطوم - كمال كروري
الخرطوم - كمال كروري

مقالات مشابهة

تقرير حصري

غادر مسقط ولم يعد.. اختفاء قائد الجيش السوداني 4 أيام عن رادار الأخبار يُثير عاصفة من التساؤلات

الخرطوم - كمال كروري
الخرطوم - كمال كروري

قال مصدر أمني موثوق إن قوة مهام خاصة كُلِّفت، عصر الثلاثاء، بالانتقال إلى القاعدة الجوية في منطقة أم درمان العسكرية شمال العاصمة الخرطوم، لتأمين عودة قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان من رحلة خارجية، إلا أنها أُعيدت بشكل مفاجئ إلى مواقعها. ولم يحدد المصدر، الذي فضل حجب هويته لحساسية الأمر، ما إذا كان قد تم استبدالها بقوة سرية أخرى، أم أن طائرة البرهان لم تصل أصلًا إلى القاعدة.

يُثير غياب البرهان عن رادار الأخبار لليوم الرابع على التوالي تساؤلات عديدة في الشارع السوداني، وسط سيل من التكهنات والشائعات التي تُغذيها بيئة داخلية مضطربة، بسبب خلافات متصاعدة داخل تحالف الجيش، تتركز بشكل أساسي حول الرؤية بشأن مفاوضات محتملة مع قوات الدعم السريع لإنهاء الحرب المستمرة في البلاد منذ منتصف أبريل 2023.

تزامن مريب وتساؤلات عديدة

يأتي غياب أي بيان رسمي يشير إلى مكان تواجد البرهان منذ انتهاء زيارته الرسمية للعاصمة العُمانية مسقط، ظهر الثلاثاء الماضي، في ظل شائعات وتسريبات عديدة عن قرب عقد لقاء مُحتمل مع قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو، المعروف بـ”حميدتي”.

تزامنت بداية جولة البرهان الخارجية، التي لم تكن معلنة مسبقًا، ودشنها الاثنين الماضي بزيارة إلى جدة التقى خلالها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، مع غياب مفاجئ أيضًا لحميدتي عن فعاليات ورشة إعلامية مهمة نظمها في العاصمة الكينية نيروبي تحالف “تأسيس” الذي يرأسه. وأناب عنه شقيقه “القوني”، الذي أفاد مصدر بأنه غادر بعد دقائق قليلة معتذرًا بسبب ظروف سفر طارئة.

ووفقًا لشريف محمد عثمان، الأمين السياسي لحزب المؤتمر السوداني، فإن السرية التي أُحيط بها مكان البرهان تثير العديد من التساؤلات، حيث درج إعلام الجيش على نشر تحركاته أولًا بأول، حتى وإن كانت تلك التحركات داخلية وغير مهمة. ويوضح عثمان: “منذ أكثر من أسبوع، يتزايد التوتر داخل تحالف الجيش وسط تشكيك متبادل، مما يشي بأن هناك خلافات مرتبطة بتحركات خارجية لوقف الحرب، تزامنت مع حديث عن اعتقالات طالت عناصر من مجموعات مقربة جدًا من الجيش، وبحالة من الجمود غير المعلن في جبهات القتال”.

ويلفت عثمان أيضًا إلى الضغوط الخارجية الكبيرة التي يتعرض لها البرهان، والتي تتفاقم داخليًا في ظل رفض “الإخوان المسلمين” أي محاولات لوقف الحرب. ويتزايد التعقيد أكثر في ظل النفوذ الواسع لقيادات التنظيم وكتائبه المسلحة داخل الجيش والسلطة التنفيذية، وهو ما يضع البرهان نفسه في مأزق كبير، خصوصًا في ظل تصنيف التنظيم وواجهاته جماعة إرهابية.

خلل بروتوكولي مُحيّر

من الناحية البروتوكولية، اعتبر مهدي الخليفة، الوزير الأسبق بالخارجية السودانية، أن غياب رأس الدولة الفعلي لمدة أربعة أيام خلال زيارة خارجية “ليس تفصيلًا عابرًا يمكن تجاوزه، بل هو حدث سياسي بامتياز يفيض بالدلالات ويتجاوز حدود الصدفة أو الإهمال”.

ويضيف الخليفة في حديثه: “الغياب الكامل للمعلومة طوال هذه المدة يُعد خرقًا واضحًا لقاعدة الشفافية البروتوكولية، التي تُلزم الدول — حتى في أدق الظروف — بتقديم حد أدنى من التوضيح بشأن تحركات رأس الدولة”. وقال: إن هذا الصمت يُفسَّر في إطار أحد احتمالين رئيسيين: “إما أن تكون هناك مفاوضات سرية عالية الحساسية تجري بالفعل، قد تقود إلى وقفٍ لإطلاق النار أو إلى ترتيبات انتقالية جديدة تُعاد عبرها صياغة المشهد السياسي، أو أن هناك ارتباكًا أو انقسامًا داخل بنية النظام، وربما داخل المؤسسة العسكرية نفسها، يجعل من الصمت غطاءً مؤقتًا لتناقضات لم تُحسم بعد”.

اختفاءات السلطة بين سابقة نميري ومأزق البرهان الراهن

ويشير الخليفة إلى سابقة مهمة في تاريخ السودان، عندما اختفى الرئيس الأسبق جعفر نميري في يوليو 1977 لمدة يومين، ليتكشف بعد ذلك أنه كان يجري مفاوضات سرية مع رئيس حزب الأمة وزعيم المعارضة آنذاك، الراحل الصادق المهدي، في بورتسودان، تمخَّض عنها اتفاق المصالحة الوطنية الشهير بين حكومة نميري والمعارضة السودانية بقيادة الصادق المهدي.

لكن الخليفة يلفت إلى فارق المدة الزمنية واختلاف الظروف التي جرى فيها لقاء نميري والمهدي، حيث لم يكن في ذلك الوقت تواصل جماهيري كثيف عبر شبكة الإنترنت كما يحدث الآن، كما أن نميري كان في رحلة داخلية. ويوضح: “الغياب الحالي للبرهان، الذي وصل إلى أربعة أيام دون تفسير، يضاعف حجم التساؤلات، ويُخرج الأمر من نطاق التكتيك إلى دائرة القلق، ويثير عددًا من الأسئلة المشروعة، حتى إذا ظهر البرهان في أي لحظة”.

لا يبدو غياب عبد الفتاح البرهان مجرد تفصيل عابر في مشهد سوداني مثقل بالأزمات، بل مؤشرًا مكثفًا على لحظة مفصلية تتقاطع فيها حسابات الحرب مع رهانات التسوية. وبين فرضية المفاوضات الصامتة واحتمال الانقسام داخل مراكز القرار، يبقى الغموض القائم عامل ضغط إضافي على توازن هشّ أصلًا، فيما ينتظر الداخل والخارج إشارة حاسمة تكشف إن كان السودان يقترب من منعطف نحو التهدئة، أم ينزلق إلى مزيد من التعقيد.