الخرطوم - كمال كروري
الخرطوم - كمال كروري

مقالات مشابهة

حصاد جيوسياسي

3 سنوات من القتال الدَّامي: أرقام كارثية تعكس حالة الانهيار الشَّامل وتبدُّد مقومات الدولة في السودان

الخرطوم - كمال كروري
الخرطوم - كمال كروري

مع دخول الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع عامها الثالث منذ اندلاعها في تحول المشهد في السودان من صراع على السلطة، إلى انهيار شامل يَطال بنية الدولة ومقومات الحياة. أرقام الخسائر البشرية والاقتصادية غير المسبوقة، واتساع رقعة الكارثة الإنسانية، تعكس حرباً مفتوحة بلا أفق واضح، تُعيد رسم ملامح البلاد على وقع الدمار والنزوح والمجاعة.

بينما تتآكل مؤسسات الدولة وتتراجع الخدمات الأساسية إلى مستويات حرجة، يجد ملايين السودانيين أنفسهم عالقين في واحدة من أعقد الأزمات في العالم، وسط عجز دولي عن فرض مسار حاسم لوقف القتال الذي اندلع في إبريل/نيسان 2023، وتقديرات بنحو 700 مليار دولار من الخسائر المباشرة وغير المباشرة.

انهيار إنساني

خلقت حرب السودان خلال أعوامها الثلاثة الماضية أكبر أزمة إنسانية في العالم، وأدى العنف المستمر والنزوح وتكتيكات الحصار إلى تفكيك النظام الغذائي بشكل مُمنهج، حيث دُمِّرت المزارع، وقُتل المزارعون، وتعطلت الأسواق نتيجة للهجمات والإغلاقات والضرائب الاستغلالية.

بحسب منظمة العمل لمكافحة الجوع، يعاني 28 مليون شخص من سكان البلاد، من أصل نحو 48 مليوناً، من انعدام الأمن الغذائي، وسط مجاعة واسعة النطاق، وملايين الأسر التي لا تحصل إلا على وجبة واحدة يومياً، في حين لجأ الكثير منهم إلى أكل أوراق الشجر وعلف الحيوانات للبقاء على قيد الحياة. 

وبينما فقد ثلثا السكان مصادر دخلهم، لم تعد أجور الموظفين والعاملين في مُختلف القطاعات قادرة على الوفاء بالمتطلبات الأساسية، بعد أن تراجعت القوة الشرائية للعملة المحلية.

كما شمل الانهيار قطاعي الصحة والتعليم، مع تراجع القدرة على الوصول إلى الرعاية الصحية لنحو 14% من السكان، وعدم التحاق ملايين الطلبة في المدارس والجامعات بمقاعد الدراسة.

أوضاع أمنية مُعقدة

تعقدت الأوضاع الأمنية بشكل كبير، حيث يتقاسم الطرفان السيطرة الميدانية بنسب متقاربة؛ ففي حين يسيطر الجيش على ولايات الوسط والشمال والشرق، تُحكم قوات الدعم السريع قبضتها على إقليم دارفور وأجزاء من إقليم كردفان المجاور.

لقد قتلت الحرب أكثر من 150 ألف سوداني، ولا يزال نحو 11 مليوناً آخرين يعيشون إما نازحين في مناطق داخلية أو لاجئين خارج الحدود بحسب بيانات منظمة الهجرة الدولية.

بهذا الشأن، يقول شريف محمد عثمان، الأمين السياسي لحزب المؤتمر السوداني والقيادي في التحالف المدني “صمود”: “إن الواقع المأساوي الذي يعيشه السودان بعد ثلاث سنوات من القتال يُؤكد بشاعة هذه الحرب واختلافها عن كل الحروب الداخلية التي شهدها العالم”. ويضيف: “تعكس أرقام الضحايا والخسائر المادية عدم اكتراث الأطراف المُتقاتلة بقواعد القانون الدولي الإنساني، التي تحمي المدنيين ومنشآت البنية التحتية”.

خسائر اقتصادية مباشرة

اقتصادياً، وبحسب تقديرات البنك الدولي، أدت الحرب إلى انهيار 40% من الناتج الإجمالي المحلي للسودان، ومسح 20% من رأس المال المقدر بـ 600 مليار دولار. كما تسببت الأحداث بخسارة نحو 70% من الوحدات الإنتاجية إثر الأضرار الكلية والجزئية التي لحقت بأكثر من 600 مصنع، منها 400 في الخرطوم وحدها، وفق بيانات اتحاد أصحاب العمل السوداني.

كان التأثير أكبر في العاصمة الخرطوم، التي يتركز فيها نحو 25% من اقتصاد البلاد. كما تأثرت مدينة “ود مدني” عاصمة إقليم الجزيرة الذي يشكل عصب الإنتاج الزراعي في البلاد. وتآكلت قيمة الجنيه بشكل كبير إلى نحو 3900 مقابل الدولار الواحد، مقابل 500 جنيه قبل اندلاع الحرب.

البنية التحتية: دمار جزئي وكلي

في الحديث عن البنية التحتية، ألحق القصف الجوي والمدفعي المكثف دماراً جزئياً وكلياً بأكثر من 100 ألف مسكن ومتجر في المباني والمنشآت الحيوية بالعاصمة ومدن أخرى. وخرجت 5 أسواق رئيسية في أم درمان والخرطوم وبحري بكاملها عن الخدمة، قبل أن يعاد ترميم 3 منها جزئياً. وتعرض جسران رئيسيان في العاصمة وأكثر من 200 مبناً حكومياً من بينها مباني تاريخية كالمتحف القومي ودار الوثائق والقصر الرئاسي في وسط الخرطوم، للدمار.

ووفقاً لتقديرات خبراء، تسببت الحرب في إتلاف نحو 60% من شبكات الكهرباء والمياه والصرف الصحي في الخرطوم، وعلى الرغم من إعادة ترميم بعض منها خلال الأشهر الثلاثة الماضية، إلا أن أكثر من 80% من مناطق العاصمة لا تزال تعاني من انقطاع مستمر في هذه الخدمات.

كلفة اجتماعية عالية

مع دخول الحرب عامها الرابع، وتضاعف معدلات الفقر في السودان، بات 70% من السكان يعيشون تحت خط الفقر، حسبما أفاد الممثل المقيم لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في السودان لوكا ريندا. ولا يزال أكثر من 60% من السكان يبحثون عن مصدر دخل، ويعتمدون بشكل كامل على المساعدات.

كما فقدت معظم المستشفيات الرئيسية قدراتها التشغيلية، إما بسبب الدمار الذي لحق بها أو بسبب نقص الإمكانيات في ظل انتشار واسع للأمراض الفتاكة مثل الحُمّيات وغيرها.

وعلى صعيد قطاع التعليم، فقد نحو 19 مليون طالب وطالبة عامان دراسيان، مع توقفت المؤسسات التعليمية كافة في المراحل المختلفة منذ اندلاع الحرب، قبل أن تُعاود بعض المدارس والجامعات مُؤخراً العمل بشكل جُزئي في الولايات الأربع الآمنة نسبياً، لكنها لا تزال تواجه عقبات بشرية ولوجستية كبيرة، في مقدمتها هجرة ما يزيد عن 70% من أساتذة الجامعات المؤهلين.

انتهاكات حقوقية واسعة

وثق حقوقيون أكثر من 3 آلاف انتهاك ضد المدنيين خلال السنوات الثلاث الماضية، شملت القتل خارج إطار القانون والاعتقال التعسفي، ما دفع الأمم المتحدة إلى اتهام طرفي القتال بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. وارتُكبت تلك الانتهاكات من قبل الجيش والمجموعات المتحالفة معه أو قوات الدعم السريع، في مناطق متعددة، منها الخرطوم ودارفور والجزيرة وكردفان، وامتدت لتشمل مناطق أخرى من البلاد، بما في ذلك النيل الأزرق والنيل الأبيض.

وواصل الطرفان شن هجمات انتقامية عشوائية على بعضهما باستخدام القصف المدفعي، والطائرات المُسيّرة، والغارات الجوية على مناطق مأهولة بالسكان. كما استهدفت الهجمات المرافق المدنية الحيوية، بما في ذلك المرافق الطبية والأسواق، ما فاقم الأزمة الإنسانية الكارثية القائمة بالفعل. وعكست هذه الانتهاكات نمط عمل منظماً ومتكرراً، شمل القتل والنهب والعنف الجنسي والاستهداف العرقي، وفقاً لما أكدته المحامية الحقوقية رحاب مبارك.

جهود دولية مُتعثرة

فشلت حتى الآن 10 مبادرات هدفت إلى وقف الحرب، في حين لا يزال من غير المعروف ما يمكن أن تسفر عنه الجهود الحالية التي يقودها المجتمع الدولي عبر الخطة التي أعلنتها المجموعة الرباعية (الولايات المتحدة والسعودية والإمارات ومصر) في سبتمبر/أيلول 2025، والتي تضمنت ثلاثة مسارات للحل. كما استضافت برلين في الآونة الأخيرة مؤتمراً دولياً حول السودان ركّز على تطوير رؤية تمنح المدنيين دوراً أكبر في إنهاء الحرب.

في المقابل، تنخرط المجموعة الخماسية، المكونة من الاتحاد الإفريقي والاتحاد الأوروبي والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية والأمم المتحدة وجامعة الدول العربية، مع العديد من الكيانات المدنية والسياسية السودانية، للوصول إلى صيغة لوقف الحرب، لكن مراقبين يرون أن التعقيدات الداخلية والخارجية الحالية تعيق الوصول إلى حل ينهي الأزمة.

بالنسبة للسفير السابق عادل شرفي، فإن الفشل في وقف الحرب يعود إلى أسباب داخلية، تتمثل في رؤية الأطراف المُتقاتلة للحرب نفسها، والتي تتباين بين تحقيق أهداف وجودية أو سلطوية، أو مخاوف تتعلق بالتبعات القانونية التي قد تترتب على وقفها. ويقول شرفي: “إن التعقيدات الكبيرة التي تُلازم المشهد الحالي، تتطلب ضرورة الوصول إلى خارطة طريق تُخاطب كافة جوانب الأزمة”.

أزمة متعددة الأبعاد

لقد كشفت السنوات الثلاث الماضية من الحرب في السودان عن أزمة متعددة الأبعاد تتجاوز حدود النزاع العسكري، لتطال مُستقبل الدولة ذاته ووحدتها الاجتماعية والاقتصادية. ومع استمرار الانقسام الميداني وتعثر المبادرات السياسية، تبدو كلفة الحرب مرشحة لمزيد من التصاعد، ما لم تتبلور إرادة داخلية مدعومة بضغط دولي فعّال لفرض تسوية شاملة. 

السودان اليوم لا يواجه فقط تداعيات حرب، بل اختباراً مصيرياً لقدرة أبنائه والمجتمع الدولي على وقف الانهيار وإعادة بناء دولة أنهكتها الصراعات.