في لحظة يتقاطع فيها عنف الحرب مع جراح الذاكرة، تعود سيرة السينمائي الإيراني الكبير عباس كياروستامي إلى الواجهة، ليس عبر فيلم جديد أو تكريم سينمائي، بل من خلال خبر صادم: تضرّر منزله في حي شيزار في طهران جراء غارات جوية. هكذا، يصبح المكان الذي احتضن ذاكرة أحد أكبر صنّاع الفن السابع ساحةً لأسئلة أكبر، تتجاوز الحدث ذاته لتطال موقع الفن في زمن الحرب، ومصير الذاكرة الثقافية حين تصبح هدفًا غير مباشر للصراع.
بحسب ما أعلنه نجل المخرج، أحمد كياروستامي، فإن المنزل الذي تضرر ليس مُجرد بيت عادي، بالنسبة للعائلة، بل هو فضاء شخصي عميق الجذور. فيه عاش المخرج منذ مولده قبل تسع سنوات من قيام الثورة الإيرانية عام 1979، وكان يصفه دائمًا بأنه “أكثر الأماكن هدوءًا في العالم”.
هذا الوصف يكتسب دلالة مأساوية اليوم: كيف يمكن لمكان ارتبط بالسكينة أن يتحول فجأة إلى موقع مستهدف؟ وكيف تتحوّل ذاكرة وإرث مخرج يعد عرّاب السينما الحميمية عبر العالم إلى ضحية عرَضية لصراع دولي مفتوح.
سينما تجد معناها في التقشف والبساطة
لم يكن عباس كياروستامي مُجرد سينمائي ذي شهرة عالمي، بل يعدّ صانع لغةٍ بصريةٍ خاصةٍ خرج من معطفها عشراتُ السينمائيين المميّزين، داخل وخارج إيران. لغة سينمائيةٌ مغايرة قوامها البساطة والتأمل.
في فيلمه الأشهر “طعم الكرز”، الذي نال السعفة الذهبية في مهرجان كان السينمائي عام 1997، طرح أسئلة وجودية عميقة حول ماهية الحياة والموت، من خلال رحلة تيه بطلها رجل يبحث عمن يساعده على إنهاء حياته.
سؤال الحياة والموت: من الشاشة إلى الواقع
المفارقة أن الأسئلة التي طرحها كياروستامي في أفلامه – عن الحياة والموت، ومعنى الوجد، وهشاشة الإنسان – تعود اليوم إلى الواجهة بشكل قاسٍ، لا من خلال الشاشة بل في الواقع الفعلي. فالمنزل الذي مثّل “ملاذًا آمنًا” للمخرج في حياته، وأصبح لاحقًا إلى متحف ومزار يخلّد ذاكرته وأعماله، داهمته الحرب وجعلت منه شاهدة على هشاشة الحياة، حيث يمكن أن تعصف الأحداث في غمضة عين بكل ما نعتقده ثابتًا ومخلّدًا. وهي الهشاشة التي اتسمت بها وجسّدتها بامتياز شخوص أفلامه القلقة والمهزوزة.
تضرّر منزل عباس كياروستامي من القصف ليس حدثًا معزولًا، فقد تعرّضت العديد من المواقع ذات الأهمية الثقافية والتاريخية في إيران لأضرار خلال القصف الجوي، ما يعيد طرح السؤال بإلحاح حول آليات حماية التراث الثقافي في أوقات الحروب. فحين تُصاب مثل هذه المواقع لا يكون الضرر ماديًا فقط، بل يمتد إلى صميم الهوية ذاتها، إلى القَصَص الذي ترويه الشعوب عن ذاتها، وإلى الرموز والمرجعيات التي تمنحها معنى الاستمرار.
الفن في مواجهة الفناء
رغم تضرُّر المنزل الذي يضم ذاكرته ومقتنياته، إلا أن الإرث المعنوي لعباس كياروستامي سيبقى شاهدًا على قدرة الفن على مقاومة الفناء. قد يطال دمار الحرب المواقع والرموز والأمكنة، لكن الفن يظل قادرًا على إعادة بنائها، ولو في الذاكرة. فمن قلب هذه العلاقة المتوترة بين الفناء والبقاء، تكتسب السينما قوتها، لتبقى – كما أرادها كياروستامي – مرتبطة على الدوام بإرادة الحياة بالرغم من كل الهشاشة التي تشوب الوضع الإنساني.















