في مشهدٍ يُلخّص مفارقة اللحظة الجزائرية، اختارت السلطة أن تُدير ظهرها لكتاب عن تعدد الهويات، وأن تُغلق أبواب مكتبة، وكأنها بذلك تُغلق باب الأسئلة. القرار الذي طال كتاب “هويات متمردة” للباحثة فاطمة أوصديق، لم يكن إجراءً إداريًا معزولًا، بل بدا أقرب إلى موقفٍ معادٍ للمعرفة حين تخرج عن النصّ المرسوم.
لا يتعلق الأمر فقط بكتابٍ يُمنع، بل بفكرةٍ تُحاصَر. ولا بمكتبةٍ تُغلق، بل بفضاءٍ كان يُفترض أن يبقى مفتوحًا للجدل، ذلك الجدل الذي يصنع المجتمعات الحيّة. فمكتبة الفنون الجميلة، التي دفعت ثمنًا باهظًا في سنوات الدم، حين سقط مالكها برصاص الإرهاب الأصولي، لكنها استطاعت أن تنهض من تلك المحنة لتواصل رسالتها التنويرية، تجد نفسها اليوم أمام شكلٍ آخر من التضييق، أكثر قسوة وبرودا، وربما أكثر إرباكًا: تضييق يتم باسم النظام، لا باسم الفوضى!
اللافت في هذه الواقعة ليس فقط ما جرى، بل توقيته وسياقه. فبعد أسبوعٍ فقط من الزيارة التي قام بها بابا الفاتيكان إلى الجزائر، واستقباله من قبل الرئيس تبون، في مشهدٍ حمل رسائل قوية عن الانفتاح والتعايش الديني والثقافي، يأتي هذا القرار ليبعث بإشارةٍ معاكسة تمامًا. ففي الوقت الذي تسعى فيه الجزائر إلى تقديم نفسها كبلدٍ منفتح، قادر على التوفيق بين هويته وتعدديته، يبدو منع كتابٍ أكاديمي وإغلاق فضاءٍ للنقاش وكأنه ارتدادٌ غير مفهوم عن تلك الرسائل، أو على الأقل تناقضٌ يطرح أكثر من علامة استفهام حول طبيعة هذا الانفتاح وحدوده.
إذ، كيف يمكن التوفيق بين خطاب الانفتاح وممارسة المنع؟ بين الاحتفاء بالتعدد ومصادرة كتابٍ يحاول تفكيك هذا التعدد ذاته؟
إنّ الأفكار، كما تُعلّمنا تجارب الأمم، لا تُهزم بالقرارات الفوقية، ولا تُلغى بالمراسيم الإدارية. وحده النقاش الحرّ قادر على اختبارها، وتمحيصها، وربما دحضها. أما المنع، فلا يفعل سوى منحها هالةً إضافية، ودفعها إلى التداول سرًّا في مساحاتٍ أقل شفافية وأكثر التباسًا.
ثم إنّ السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: ماذا يُخيف في كتابٍ أكاديمي كهذا؟ هل هو محتواه؟ أم جرأته؟ أم مجرد كونه يفتح ملفاتٍ لم يُتفق بعد على طريقة فتحها؟ في كل الحالات، الردّ لا يجدر أن يكون بالحظر والإغلاق، بل بالمواجهة الفكرية التي تُعلي من شأن العقل بدل أن تُقصيه.
وإذا كانت السلطة قد رأت في النقاش الذي احتضنته المكتبة تجاوزًا، فإنّ ذلك يعيدنا إلى جوهر المشكلة: أين تنتهي حدود النقاش المشروع؟ ومن يملك حق تحديدها؟ حين تُصبح الأسئلة نفسها موضوعًا للعقاب، فإننا لا نكون أمام أزمة كتاب، بل أمام أزمة ثقة في المجتمع وتشكيك في قدرته على التمييز.
الأدهى من كل ذلك، أن مثل هذه القرارات لا يمكن أن تبقى حبيسة الداخل، بل تتردد أصداؤها خارجيًا، وتُستخدم كقرائن على تناقض الخطاب التعدّدي مع الممارسة الإقصائية. وهو ما يضعف صورة بلدٍ يسعى إلى تثبيت مكانته في عالمٍ لا يعترف إلا بالمجتمعات التي تحترم ذكاء مواطنيها.
ليست حرية الفكر ترفًا، كما يظن البعض، بل هي شرطٌ من شروط كرامة الأوطان. لأنّ الوطن الذي يخاف من كتاب، هو وطن لم يحسم بعد علاقته مع ذاته. ولأنّ المجتمعات التي تُصادر الأسئلة، تجد نفسها، عاجلًا أم آجلًا، عاجزة عن إنتاج الأجوبة.
















