بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر
بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر

مقالات مشابهة

إسلام سياسي

من الصومال إلى الساحل الإفريقي.. نفوذ “الإخوان المسلمين” يتمدد عبر المجتمع والسوق أكثر من السلطة

بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر
بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر

تكشف مراجعة لعدد من الدراسات البحثية أن نفوذ جماعة “الإخوان المسلمين” في إفريقيا جنوب الصحراء- باستثناء السودان- لم يعد يتجسد اليوم في صورة تنظيمات تمسك بالدول أو تعلن حضورها بالصيغة التقليدية، بقدر ما يظهر عبر شبكات اجتماعية وتعليمية واقتصادية ونخبوية تتسلل إلى المجال العام وتؤثر فيه من داخله.

تبدو الصومال الحالة الأوضح من حيث الامتداد التنظيمي المباشر، فيما تمثل إثيوبيا نموذجاً للتأثير الفكري غير المباشر، بينما يظهر الأثر في غرب إفريقيا في صورة ضغط اجتماعي وديني متزايد على المجال العام والسياسات، أكثر من كونه حضوراً حزبياً صريحاً.

وفق هذه القراءة، لم يعد التمدد في إفريقيا قائماً أساساً على السيطرة المباشرة، بل على بناء شبكات نفوذ في التعليم والوعظ، وفي السوق وقطاع الأعمال، وبين النخب الحضرية والهيئات الوسيطة، ثم في المجال السياسي عندما تدخل الدولة مرحلة ضعف أو انتقال. وهذا ما يجعل أثر الجماعة في هذه المنطقة أقل صخباً من المشرق العربي، لكنه في بعض الحالات أكثر رسوخاً وأصعب رصداً.

الصومال.. الفرع الأوضح والشبكة الأعمق

في الصومال، تبدو الصورة أكثر مباشرة. وتشير دراسة لـ”تشاتام هاوس” (Chatham House) إلى أن حركة الإصلاح نشأت عام 1978 بوصفها فرع الصومال من جماعة “الإخوان المسلمين”، واعتمدت خطاباً إصلاحياً سلمياً نسبياً خلال فترات الحكم السلطوي والحرب الأهلية. وهذا يجعل الصومال الساحة الأوضح في إفريقيا لوجود امتداد إخواني صريح، لا مجرد تقاطع فكري أو دعوي. 

لكن الأخطر في الحالة الصومالية أن التمدد لم يبقَ محصوراً في الدعوة أو النشاط الديني. وتوضح وثيقة أخرى لـ”تشاتام هاوس” أن شبكة “دم الجديد” انبثقت من نخب داخل حركة الإصلاح، وأن الحركة ارتبطت منذ منتصف التسعينيات بقطاع الأعمال، ما منحها وزناً مرشحاً للتأثير في المجال السياسي. وبذلك يتخذ النفوذ هناك شكلاً ثلاثياً: مجتمعياً في الدعوة، واقتصادياً في السوق، وسياسياً في النخبة والدولة.

من هذه الزاوية، فإن الصومال لا يقدم فقط مثالاً على وجود فرع محلي للإخوان، بل يكشف أيضاً كيف يمكن أن يتحول التنظيم من جماعة إصلاحية إلى شبكة مصالح تتداخل فيها الدعوة والاقتصاد والسلطة، وهو النمط الأكثر قابلية للبقاء في البيئات الهشة والمنقسمة. 

إثيوبيا.. تأثير في العقول لا في الهياكل

في إثيوبيا، تختلف الصورة جذرياً. يوضح التقرير الصادر عن المركز النرويجي لحل النزاعات (NOREF) أن ما يسمى “الحركة الفكرية” استلهم بدرجة كبيرة أفكار “الإخوان المسلمين”، وجذب طلاباً ومهنيين ومثقفين حضريين، لكنه في الوقت نفسه لم يتحول إلى فرع محلي رسمي للجماعة، ولم يُقم روابط تنظيمية رسمية مع الإخوان في الخارج. 

ومع ذلك، لا يعني غياب الفرع التنظيمي غياب الأثر. المصدر نفسه يوضح أن هذا التيار نشأ عبر مجموعات قراءة صغيرة ونقاشات ومحاضرات عامة، مستفيداً من وصول الأدبيات الإسلامية الحديثة باللغة الإنجليزية، ومن نشاط منظمات وفرت الكتب والمجلات، بما جعل تأثيره يتركز في إعادة تشكيل وعي جيل مسلم جديد بشأن التدين والهوية والعلاقة مع الدولة والعلمانية والدستور.

هنا يبرز أحد أهم أنماط التغلغل، وهو الاختراق الفكري والتربوي بديلاً عن التنظيم الصلب. فالحركة الإثيوبية، كما يصفها التقرير، ظلت غير مركزية وغير ذات قيادة مؤسسية ثابتة، لكنها بقيت مؤثرة في صياغة خطاب الاعتدال والحقوق الدينية والمجال العام داخل الأوساط المسلمة الحضرية. وهذا يعني أن أثر الإخوان في إثيوبيا كان نفوذاً ناعمًا داخل الثقافة والنخبة أكثر من كونه مشروعاً سياسياً مُعلناً. 

غرب إفريقيا.. أسلمة المجال العام بدل الحزب الكبير

في غرب إفريقيا، المشهد أقل ارتباطاً بفروع إخوانية معلنة، وأكثر اتصالاً بما يمكن وصفه بأسلمة الفضاء العام. حوار بحثي نشرته “بروكينغز” يلاحظ أن المنطقة عرفت تاريخياً عدداً محدوداً من الحركات الإسلاموية الحزبية الكلاسيكية، وأن حضور الإسلام في السياسة والحياة العامة لا يمر غالباً عبر حزب إسلامي كبير على النمط المعروف في العالم العربي.

في السنغال، على سبيل المثال، يذكر المصدر نفسه أن الإسلام ما زال يلعب دوراً قوياً في تشكيل الحياة العامة والسياسة، لكن الثقافة السياسية هناك لا تتسامح بسهولة مع دور سياسي ديني مباشر وصريح. وهذا يعني أن التأثير قائم، لكنه يمر عبر المجتمع والمرجعيات الدينية وشبكات النفوذ الأهلي، لا عبر تنظيم حزبي إخواني واضح.

أما في مالي، تبدو الصورة أكثر وضوحاً من حيث التأثير الاجتماعي والسياسي غير الحزبي. وهنا تشير “بروكينغز” إلى أن المنظمات الإسلامية والوعاظ الكاريزميين، أسهموا بشكل ملحوظ في أسلمة الفضاء العام والخطاب الاجتماعي والسياسي، كما امتلكوا قدرة على التأثير في السياسات العامة، بما في ذلك إجهاض جهود إصلاح قانون الأسرة في عهد الرئيس أمادو توماني توري. هذا مثال واضح على نفوذ ديني-اجتماعي يضغط على الدولة من خارجها، من دون الحاجة إلى فرع إخواني صريح أو سيطرة مباشرة على الحكم. 

نفوذ يتوارى ولا يختفي

ما تكشفه هذه الحالات مجتمعة هو أن نفوذ الإخوان في القارة السمراء، خارج السودان، لا يختفي بقدر ما يغيّر شكله. ففي الصومال يظهر كتنظيم وشبكة مصالح، وفي إثيوبيا يتبدى كتيار فكري تربوي، وفي غرب إفريقيا يتجسد في الضغط على المجال العام والأخلاق والسياسات من خارج البنية الحزبية. 

الجامع بين هذه الصور جميعاً أن النفوذ يتحرك حيث تكون الدولة أضعف، أو المجتمع أكثر قابلية لتلقي الشبكات الدينية المنظمة، أو النخبة الحضرية أكثر انفتاحاً على الأدبيات العابرة للحدود. وبهذا المعنى، فإن أخطر مظاهر التغلغل ليست “الحكم” بالمعنى المباشر، بل القدرة على بناء حضور طويل الأمد في المجتمع، والسوق، والتعليم، والفضاء العام؛ وهي صيغة أقل ضجيجاً، لكنها في كثير من الأحيان أكثر قدرة على البقاء وإعادة التموضع كلما تبدلت موازين السياسة.