مع الانكشاف المتزايد لتغلغل جماعة الإخوان المسلمين داخل الجيش السوداني والأجهزة الأمنية، يتركّز الاهتمام حول الإصلاح، وتفادي التأثيرات المحتملة على المؤسسة العسكرية جرّاء تصنيف الولايات المتحدة التنظيم وواجهاته السياسية والمسلحة “منظمة إرهابية”.
التصنيف ليس حدثاً عابراً، بل نتيجة قناعة ناتجة عن تقييم واقعي لسلوك التنظيم، ودوره في زعزعة الاستقرار الأمني والاقتصادي والسياسي في السودان والمنطقة. مع تحذيرات من أن القرار يضع الجيش أمام معضلة حقيقية تستدعي إصلاحات جذرية تفك ارتباطه بالتنظيم، وتعيده إلى المسار القومي.
في المقابل، يعكس التأييد الشعبي الكبير الذي حظي به القرار رؤية غالبية السودانيين بأن التصنيف فرصة تاريخية لوقف دوامة العنف التي عانت منها البلاد لأكثر من ثلاثة عقود، أجّجت خلالها شعارات الإخوان الجهادية حروباً دموية في الجنوب ودارفور وكردفان والنيل الأزرق، قتلت وشردت ملايين المدنيين، فضلاً عن دورهم في تعطيل كافة الجهود الدولية الرامية لوقف الحرب الحالية المستمرة في البلاد منذ منتصف إبريل 2023، والتي أودت بحياة أكثر من 150 ألف شخص حتى الآن.
خطوة مهمة لضمان استقرار السودان
بعد اندلاع الحرب الحالية في البلاد، قدّم المجتمع الدولي والإقليمي 11 مبادرة لوقف القتال، لكنها اصطدمت جميعها برفض قيادات تنظيم الإخوان. وتكثفت حملات الرفض الإخوانية أكثر بعد إعلان المجموعة الرباعية، الولايات المتحدة والسعودية والإمارات ومصر، في سبتمبر 2025، خارطة طريق اعتبرها الاتحاد الأوروبي والاتحاد الإفريقي وغالبية بلدان العالم إطاراً عملياً لحل الأزمة.
واستفاد التنظيم من نفوذه القوي داخل الجيش للتأثير على قراراته، كما استخدم شبكات تضليل إعلامي واسعة لمحاولة خلق رأي عام معارض لوقف الحرب.
بينما يُحمل مراقبون الجماعة مسؤولية تأجيج الحروب التي عاشها السودان على مدى العقود الثلاثة الماضية، والتي أدت إلى فصل الجنوب في 2011، فإنهم يرون أن التصنيف الجديد سيقلص من نفوذها داخل الجيش، ويضع بالتالي حداً للحروب والانتهاكات الكبيرة التي ارتُكبت ضد المدنيين، والتي عدتها الولايات المتحدة جزءاً من مبررات التصنيف.
ضمان استقرار البلاد والتخلص من قبضة التنظيم
يُشدد مستور أحمد، رئيس المجلس المركزي للمؤتمر السوداني، على أن عزل التنظيم وتحميله مسؤولية الجرائم التي ارتكبها يُعد ضرورة لضمان استقرار السودان، والدفع نحو تنفيذ خطوات “الرباعية” لإيقاف الحرب. ويوضح: “هذه الجماعة مسؤولة ليس فقط عن اندلاع الحرب، بل أيضاً عن عرقلة أي جهود لوقفها، لكونها صاحبة مصلحة في استمرارها”.
لكن أحمد يرى أن معالجة إرث حكم الإخوان مسألة معقدة تتطلب زمناً طويلاً ومقاربات متعددة. وأوضح: “يجب أولاً تفكيك سيطرة الإخوان على مؤسسات الدولة، وتبنّي نموذج للعدالة الانتقالية يركز على إنصاف الضحايا وتعويضهم، وكشف الحقيقة، وضمان عدم الإفلات من العقاب”.
يرى كثيرون أن تصنيف تنظيم الإخوان جماعة إرهابية سيزيد من الضغوط على الجيش لتخليصه من قبضة عناصر التنظيم، التي تصاعدت منذ تسعينيات القرن الماضي، عندما عمل التنظيم على إجراء عمليات إحلال واستبدال واسعة أدت إلى تمكين أكثر من 13 ألف ضابط إخواني داخل الجيش، وفقاً للضابط المتقاعد محمد نور.
في أعقاب الانقلاب الذي نفذه قائد الجيش الحالي عبد الفتاح البرهان على السلطة المدنية في أكتوبر 2021، واندلاع الحرب في 2023، تزايد نفوذ الإخوان داخل الجيش بشكل كبير، حيث أكد قيادي بالتنظيم وحاكم سابق لإقليم سنار (جنوب شرق البلاد) أن عناصر التنظيم يشكلون 75% من التركيبة القتالية الحالية للجيش.
جيش مؤدلج من الإخوان المسلمين
قال تقرير صادر عن منصة “فيسغارد 24” الإخبارية الأوروبية، إن الخطر الأكبر الذي يواجه السودان يكمن في العلاقة بين المؤسسة العسكرية وتنظيم الإخوان. فالبرهان يحيط نفسه بجيش مؤدلج من الجماعة، لا يهدد البلاد فحسب، بل يصدّر التطرف إلى عواصم أوروبا عبر تحالفاته مع إيران.
وبرزت خلال الأيام الماضية مؤشرات متزايدة تؤكد الارتباط الوثيق بين التنظيم والجيش، حيث نشر ناشطون مقاطع فيديو تُظهر بوضوح تلك العلاقة، وتثير في الوقت ذاته مخاوف بشأن وضع الجيش وصورته في الخارج.
وأكد تقرير نشرته مؤخراً مجلة “لو بوان” الفرنسية، أن بنية الجيش السوداني تختلف عن النمط الطبيعي للجيوش العالمية، وتعاني من تمدد كبير لعناصر مرتبطة بجماعة الإخوان.
دعم جهود وقف نمط استعداء الخارج
منذ استيلائه على السلطة في يونيو 1989، تبنّى تنظيم الإخوان لهجة عدائية صارخة تجاه الخارج، واستضاف عشرات الشخصيات والمجموعات المتطرفة من مختلف الدول العربية، ومنحهم جوازات سفر سودانية استخدمها بعضهم في عمليات هدفت إلى ضرب الأمن العربي والإقليمي. ومن بينهم المجموعة التي نفذت محاولة اغتيال الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا عام 1995، وتلك التي نفذت تفجيرات سفارتي الولايات المتحدة في نيروبي ودار السلام في 1998، والهجوم على البارجة “يو إس كول” قرب سواحل اليمن عام 2000.
وزادت التصريحات الأخيرة التي أدلت بها عناصر قيادية في التنظيم، والتي تضمنت تأييداً مباشراً لإيران، ودعت إلى ضرب البنية التحتية في دول الخليج، من المخاوف من أن تعيد سلوكيات التنظيم السودان إلى مستنقع العزلة الدولية الذي استمر نحو 27 عامًا خلال فترة حكمه، قبل أن تتمكن الحكومة المدنية التي تولت السلطة عقب إسقاط نظامه في أبريل 2019 من شطب اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب.
الهوية السودانية.. شبهات أمنية
وفقاً للخبير القانوني المعز حضرة، فإن إقحام التنظيم السودان في تلك العمليات الإجرامية الخطيرة أضر كثيراً بالبلاد. وأوضح: “درج نظام الإخوان في السودان على إيواء مجموعات إرهابية ومنحها الهوية الوطنية، ما شكّل خطراً كبيراً على سمعة البلاد”.
في السياق ذاته، يقول مهدي الخليفة، الوزير الأسبق بوزارة الخارجية السودانية: “تدهورت سمعة السودان بشكل ملحوظ في فترة حكم الإخوان، حيث أدت سياساتهم إلى ربط الهوية السودانية – ظلماً – بشبهات أمنية”. ويضيف: “مع اندلاع الحرب الحالية، عاد السودان إلى دائرة الشك الدولي، ليس فقط بسبب العمليات العسكرية، بل لاستمرار نفوذ شبكات الإسلام السياسي داخل مؤسسات الدولة”.
كان تقييم استخباراتي مسرّب قد حذر أجهزة الأمن السودانية مؤخراً من أن الخطاب الإخواني الذي يُشيد بإيران قد يُلحق الضرر بالعلاقات مع دول الخليج. واعتبرت منصة “فيسغارد 24” تصريحات أعضاء تنظيم الإخوان المؤيدة لطهران دولياً “تأكيداً على الانجراف نحو المعسكر المتطرف، ما يهدد العلاقات الاقتصادية والسياسية مع الشركاء الدوليين”.















