بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

تقرير إخباري

انهيار آخر قلاع التهدئة في الشرق الأوسط: الحوثيون يُمزقون “خرائط التهدئة” ويدفعون اليمن إلى قلب التصعيد الإقليمي

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

اهتزّت رمال النقب، وتردّدت أصداء الانفجارات في “أمّ الرشراش” (إيلات)، في مشهد لم يكن مُجرّد دويّ عسكري، بل إعلان صريح بانهيار آخر قلاع التهدئة في الشرق الأوسط في ظل المواجهة العسكرية بين أمريكا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى. ومع إطلاق الحوثيين دفعة من الصواريخ الباليستية من اليمن نحو العمق الإسرائيلي، دخلت المنطقة مرحلة “اليقين الحربي”.

لم يعد الصراع في المنطقة محصوراً في تبادل الضربات الجوية البعيدة، بل تمدّد ليشمل الجغرافيا اليمنية، التي تحوّلت، بحكم موقعها الاستراتيجي المُطلّ على أحد أهم شرايين التجارة العالمية، مضيق “باب المندب”، إلى طرف مباشر وأصيل في المعركة.

صاروخ النقب يغيّر قواعد اللعبة

بدأ المشهد بإعلان المتحدث العسكري لجماعة “أنصار الله” (الحوثيين)، العميد يحيى سريع، في بيان متلفز، تنفيذ “أول عملية عسكرية” مباشرة ضد أهداف إسرائيلية منذ اندلاع الصدام الشامل بين واشنطن وتل أبيب وطهران في فبراير الماضي.

الهجوم الذي استهدف النقب وبئر السبع، وتزامن مع رشقات صاروخية من جنوب لبنان والعراق، أكد أن “وحدة الساحات” لم تعد شعاراً تعبوياً، بل خطة عملياتية متعددة الجبهات.

يواجه الجيش الإسرائيلي، الذي فعّل منظومات الدفاع الجوي “السهم” و”مقلاع داوود”، الآن معضلة “تعدد الجبهات” في أقسى تجلياتها. فبينما تنشغل دفاعاته بالشمال والشرق، يأتي التهديد من “الخاصرة الرخوة” في البحر الأحمر، وهو ما يفرض استنزافاً هائلاً للذخائر الدفاعية باهظة الثمن أمام صواريخ باليستية وطائرات مسيرة منخفضة التكلفة.

الجبهة الأخطر في المعادلة الجديدة

ما يضاعف خطورة هذا التصعيد أن اليمن لا يمثل مجرّد منصة إطلاق صواريخ، بل بوابة تهديد لأحد أهم الممرات البحرية في العالم، وهو مضيق باب المندب.

وأي تعطيل لحركة الملاحة في هذا المضيق، يعني عملياً تهديداً مباشراً لسلاسل الإمداد العالمية، خصوصاً تجارة النفط والغاز المتجهة نحو أوروبا. وقد بدأت بالفعل شركات الشحن العالمية بإعادة تقييم مساراتها، مع احتمالات العودة إلى طريق رأس الرجاء الصالح، احتمالٌ ستكون نتيجته بالتأكيد ارتفاعاً كبيراً في تكاليف النقل وزمن التسليم.

تساءل الكثيرون عن سر صمت الحوثيين طوال الأسابيع الأولى من الحرب. التحليلات تشير إلى أن هذا التأخر كان تكتيكياً بامتياز. فمنذ عملية “غضب الأسد”، أعاد الحوثيون ترتيب أوراقهم تحت ضغط الضربات الجوية.

لقد انتظروا لحظة تشبع الدفاعات الجوية الإسرائيلية والأمريكية بالهجمات متعددة المحاور، وبلوغ المواجهة مرحلة الاستنزاف، قبل فتح جبهة البحر الأحمر. كما أن الضربات التي طالت قيادات في الحرس الثوري الإيراني سرعت من قرار الانخراط المباشر، في إطار استراتيجية تخفيف الضغط عن العمق الإيراني عبر توزيع ساحات الاشتباك.

كيف تلاعب الحوثيون بواشنطن؟

الهجوم الصاروخي اليوم يمثل عملياً نهاية التفاهمات غير المعلنة التي رعتها سلطنة عمان في مايو/أيار 2025. تلك التفاهمات التي روّج لها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كنجاح دبلوماسي، تبدو اليوم وكأنها منحت الحوثيين وقتاً ثميناً لإعادة بناء قدراتهم العسكرية.

تجد واشنطن نفسها أمام معضلة مزدوجة: فهي مضطرة للرد بقوة لحماية إسرائيل وضمان حرية الملاحة، لكنها تدرك أن أي تصعيد واسع في اليمن سيعيد استنزافها في ساحة كانت تسعى للخروج منها.

بالنسبة لدول الخليج، فإن الهجوم الحوثي اليوم يتجاوز أبعاده العسكرية إلى تهديد استراتيجي شامل وفق النقاط التالية:

  1. الاستنفار الدفاعي: تشغيل أنظمة الدفاع الجوي بكثافة لاعتراض أي تهديد عابر، ما يرفع كلفة الحماية اليومية. 
  2. التهديد الاقتصادي: موانئ حيوية مثل ميناء جبل علي وميناء جدة الإسلامي باتت ضمن دائرة التأثر غير المباشر، في ظل ارتفاع المخاطر البحرية. 
  3. معضلة التوازن السياسي: تحاول دول الخليج تجنب الانخراط المباشر، لكنها تبقى عرضة لتداعيات أي تصعيد، خصوصاً في حال استهداف البنية التحتية النفطية مجدداً. 

الحرب “طوق نجاة” لصنعاء

لا يمكن فصل هذا التصعيد عن الداخل اليمني. فالحوثيون يواجهون تحديات اقتصادية واجتماعية متفاقمة، ما يجعل الانخراط في صراع إقليمي فرصة لإعادة تعبئة القاعدة الشعبية. والحرب هنا ليست فقط قراراً استراتيجياً خارجياً، بل أداةٌ لإعادة إنتاج الشرعية داخلياً، وتحويل الأنظار بعيداً عن الأزمات المعيشية، عبر خطاب “المواجهة الكبرى”.

لا يمكن فهم تصعيد الحوثيين بمعزل عن موقعهم ضمن شبكة نفوذ إيران في المنطقة. فقد تحولت الجماعة من فاعل محلي إلى ذراع إقليمي يمتلك أدوات ضغط مؤثرة، خصوصاً في البحر الأحمر. ويبرز هذا الارتباط في طبيعة التسليح والتكتيكات، إضافة إلى تزامن عملياتهم مع إيقاع التصعيد الأوسع، ما يعكس تنسيقاً غير مباشر مع الحرس الثوري الإيراني ضمن استراتيجية توزيع الجبهات وتشتيت الخصوم.

يتمثل التطور الأخطر في احتمال انخراط قوى دولية إضافية. فالبحر الأحمر يشهد بالفعل وجوداً مكثفاً لقوات بحرية غربية، فيما تراقب كل من روسيا والصين الوضع بحذر، نظراً لتأثيره المباشر على التجارة العالمية.

أي احتكاك مباشر بين هذه القوى في هذا الممر الحيوي قد ينقل الصراع من مستوى إقليمي إلى مواجهة دولية محدودة، حصوصاً إذا تعرضت سفن تجارية أو عسكرية لهجمات مباشرة.

هل ستمطر “جهنم” على اليمن؟

مع غروب شمس هذا السبت، تتجه الأنظار نحو الرد الأمريكي والإسرائيلي، وسط توقعات بثلاثة مسارات متوازية:

  • المسار العسكري: ضربات جوية مكثفة تستهدف مخازن الصواريخ والبنية التحتية العسكرية في الحديدة وصعدة، مع احتمال توسيع بنك الأهداف ليشمل قيادات ميدانية. 
  • المسار البحري: فرض رقابة صارمة على الملاحة في البحر الأحمر، وربما إنشاء “ممرات آمنة” بحماية عسكرية مباشرة. 
  • المسار الاقتصادي: تشديد الحصار على خطوط الإمداد، ورفع مستوى العقوبات المرتبطة بتهريب السلاح.

قرر الحوثيون القفز من هامش الصراع إلى قلبه. ولم تكن “صواريخ 28 مارس” مجرّد رسالة عسكرية، بل إعلان انتقال اليمن من ساحة نزاع محلي إلى ركيزة في صراع إقليمي مفتوح.

وعليه، فإن المنطقة اليوم أمام لحظة مفصلية، إما احتواء سريع يعيد رسم خطوط الاشتباك، أو انزلاق تدريجي نحو حرب متعددة الساحات، حيث تختلط الجغرافيا بالسياسة، وتُعاد كتابة خرائط النفوذ بالنار.